سياسة

بعد تصويت مجلس الأمن… إعلام جزائري يصرخ في الفراغ ودبلوماسية تبحث عن جمهور

ضربة قلم

يبدو أن الدبلوماسية الجزائرية، بعد تصويت مجلس الأمن على قرار يدعم مقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية المغربية، وجدت نفسها في وضع لا يُحسد عليه: فقد صوّت العالم، وتكلم الجميع، وبقيت الجزائر تتحدث مع نفسها!

جلس المتحدثون الرسميون أمام الكاميرات يحاولون تفسير ما لا يُفسَّر، ويقنعون الناس أن القرار “في صالحنا”، وأن “التعديلات الجوهرية” غيّرت مجرى التاريخ، بينما في الكواليس كان حتى موظف الإضاءة يهزّ رأسه متعجبًا من كمية “التفاؤل المجاني” التي تُوزَّع في نشرات الأخبار.

أما الإعلام الرسمي، فقد دخل في سباق غير متكافئ مع المنطق.
صحفٌ عنونت صفحاتها بعبارات من قبيل: “الجزائر تنتصر دبلوماسياً!”، دون أن تشرح كيف يمكن للغائب عن التصويت أن يفوز بالسباق!
قنوات التلفزة الحكومية كانت تذيع التحليلات بنبرة المنتصر، بينما الصور القادمة من نيويورك تُظهر أعضاء المجلس يهنئون الوفد المغربي على “المرونة والمسؤولية”.

وبين تصريح وآخر، كان الإعلام الجزائري يُطمئن المواطنين بأن “المعركة لم تنتهِ بعد”، وكأنها بطولة كروية يمكن إعادة لعبها في الإياب، متناسياً أن العالم مضى قدماً وأن الدبلوماسية لا تعرف الأشواط الإضافية.

في مواقع التواصل، لم يُصدّق الناس كثيراً تلك الروايات البطولية. أحد المعلّقين كتب بمرارة:

“حتى القط اللي يعيش تحت المطر ما عاد يلتفت لهذه البيانات الرسمية، يعرف أن الدبلوماسية الحقيقية تُقاس بالنتائج لا بالتصريحات”.

لقد تحوّل الإعلام الموجَّه إلى آلةٍ لبثّ الأوهام الوطنية، تُقنع الناس بأن العزلة موقفٌ ناضج، وبأن الامتناع عن التصويت بطولةٌ تُسجَّل، وبأن الخطابات الفارغة قادرةٌ على إعادة رسم الخرائط.
وكلُّ ذلك يحدث في زمنٍ لم يعد فيه أحدٌ صغيرًا بما يكفي ليُخدع بهذه البساطة.

ولأن المأساة لا تكتمل إلا بلمسة كوميديا، خرج أحد المحللين “الاستراتيجيين” في التلفزيون الرسمي ليقول بثقة:

“القرار لا يُلزم الجزائر في شيء”.
صحيح، كما لا يُلزم المطر السقفَ المتشقّق بشيء… سوى أن يغرقه أكثر.

في النهاية، لا أحد يطالب الجزائر أن تغيّر رأيها أو قناعتها، لكن الوقت حان لتغيير النغمة:
فالعالم يتحدث لغة المصالح، لا لغة الخطب. والمغرب يشتغل على الأرض، بينما الجار الشرقي ما زال يرفع اللافتات في الهواء.
إنه الفرق بين من يبني واقعًا، ومن يبني روايةً لا تُقنع حتى قطًّا يبحث عن ظلٍّ في زقاقٍ مهجور.

ولأننا لا نريد للجارة الشرقية أن تبقى حبيسة مرآتها، فالنصيحة تُقال من باب الجوار لا من باب الشماتة:
يا إخوتنا في الجزائر، آن الأوان أن تضعوا الحقد المجاني في أقرب سلة مهملات دبلوماسية، وأن تفكروا في صيغة انحناءٍ لا تُهين بل تُنقذ.
الانحناء للعقل لا يُفقد الكرامة، بل يستعيدها.
الزمن تغيّر، والخرائط تُرسم بالاقتصاد لا بالشعارات، وبالمصالح لا بالمناورات.
افتحوا نافذة صغيرة للواقعية، وسترون أن اليد الممدودة من الرباط لا تحمل خنجراً، بل تحمل فرصة حياة دبلوماسية جديدة قبل أن يتحوّل الصمت إلى انتحارٍ سياسي جماعي باسم “المبادئ”.
الجوار لا يُشترى، لكنه قد يُفقد إلى الأبد إن أصرّ أحد الطرفين على العيش في زمن لم يعد موجوداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.