بعد شوط أول مرتبك.. تعديلات وهبي تمنح “أسود الأطلس” انتصاراً مستحقاً على هايتي

ضربة قلم
قبل ساعة واحدة فقط من انطلاق المواجهة، أمام منتخب هايتي، نشرنا قراءة حملت الكثير من علامات الاستفهام حول اختيارات الناخب الوطني محمد وهبي، ليس من باب التشكيك في قدراته، أو في العمل الذي قام به إلى حدود الآن، وإنما انطلاقاً من قاعدة بسيطة في كرة القدم: كل مباراة لها حساباتها الخاصة، وكل تغيير في التشكيلة، يحمل في طياته قدراً من المغامرة.
وقد جاءت التشكيلة الرسمية، لتثير الكثير من النقاش، بعدما قرر وهبي إجراء عدة تعديلات على مستوى الخطوط الثلاثة، مانحاً الفرصة لبعض الأسماء ومفضلاً إراحة عناصر أخرى، في خطوة بدت للبعض منطقية بحكم اقتراب الأدوار الإقصائية، لكنها بدت للبعض الآخر مخاطرة غير محسوبة في مباراة، لم تكن قد حُسمت بعد بشكل نهائي.
وقلنا حينها إن الخوف الحقيقي، لا يكمن في التغييرات في حد ذاتها، بل في ذلك الشعور الخفي الذي قد يتسلل إلى أي مدرب أو لاعب عندما تبدأ النتائج الإيجابية في التراكم، فيعتقد، ولو بشكل غير مباشر، أن المباراة القادمة، ستكون أسهل من سابقاتها.
وشددنا على أن منتخب هايتي، رغم تواضع إمكانياته مقارنة بالمنتخب المغربي، يظل منتخباً لا يملك ما يخسره، وأن المنتخبات التي تلعب دون ضغوط، تكون في أحيان كثيرة أكثر خطورة من تلك التي تدخل المباراة، وهي تحمل عبء الترشيحات.
وجاء الشوط الأول ليمنح مصداقية كبيرة لهذه القراءة.
فمنذ الدقائق الأولى بدا أن المنتخب الهايتي، دخل المواجهة بعقلية المحارب الذي قرر أن يقاتل حتى آخر دقيقة، بينما ظهر المنتخب المغربي أقل تركيزاً من المعتاد، خصوصاً على المستوى الدفاعي، وهو ما استغله المنافس ليباغت “أسود الأطلس” بهدف أول أربك الحسابات وأعاد الجميع إلى أرض الواقع.
ولم يكن الأمر مجرد هدف عابر، بل إن المنتخب المغربي وجد نفسه في العديد من الفترات عاجزاً عن فرض إيقاعه المعتاد، مع ظهور بعض الارتباك في الخط الخلفي، وصعوبة في الربط بين الخطوط، رغم الاستحواذ الأكبر على الكرة.
وبينما كانت الجماهير تنتظر ردة فعل سريعة، اصطدم المنتخب الوطني بتنظيم دفاعي جيد من الجانب الهايتي، وبخصم يلعب بأعصاب هادئة ويؤمن بحظوظه إلى آخر لحظة.
وحين نجح أشرف حكيمي في إعادة المباراة إلى نقطة البداية، اعتقد كثيرون أن الأمور ستعود إلى نصابها الطبيعي، وأن هدف التعادل، سيكون مقدمة لسيطرة مغربية مطلقة، لكن كرة القدم كانت تخبئ سيناريو آخر.
فبعد دقائق قليلة فقط، عاد منتخب هايتي ليضرب من جديد، مستغلاً بعض الثغرات الدفاعية ليوقع الهدف الثاني، في مشهد أعاد إلى الأذهان تلك المباريات التي يدفع فيها أي تراخٍ أو سوء تمركز ثمنه غالياً.
ولحسن حظ المنتخب المغربي، فإن إسماعيل صيباري رفض أن ينتهي الشوط الأول بتقدم المنافس، لينجح في إدراك التعادل في الوقت بدل الضائع، مانحاً “أسود الأطلس” فرصة جديدة لتصحيح الأخطاء خلال فترة الاستراحة.
لقد انتهى الشوط الأول بنتيجة أربعة أهداف، لكنه حمل في طياته أكثر من درس.
الدرس الأول أن أي منتخب يبلغ كأس العالم، لا يمكن التعامل معه بعقلية التفوق المسبق.
والدرس الثاني أن التغييرات، مهما كانت مبرراتها، تحتاج دائماً إلى انسجام سريع داخل أرضية الميدان، حتى لا تتحول إلى مصدر ارتباك.
أما الدرس الثالث، وربما الأهم، فهو أن الثقة شيء جميل، لكن الثقة المفرطة، قد تتحول في لحظة إلى فخ كبير.
ولا أحد يشك في كفاءة محمد وهبي أو في العمل الذي أنجزه إلى حدود الآن، لكن الشوط الأول أمام هايتي أكد أن كرة القدم، لا تمنح الانتصارات مسبقاً، وأن الأدوار الإقصائية لا ترحم، وأن أي خطأ صغير قد يكلف الكثير.
إذا كان الشوط الأول قد فتح باب الأسئلة حول اختيارات الناخب الوطني محمد وهبي، فإن الشوط الثاني قدم، بالمقابل، إجابات عديدة، وأثبت أن المنتخب المغربي، يمتلك من الجودة ما يكفي ليظهر بوجه مختلف تماماً عندما تتخذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.
فالتعديلات التي أقدم عليها الناخب الوطني خلال الجولة الثانية أوقفت، إلى حد كبير، ما يمكن وصفه بحماقات البداية، وأعادت التوازن إلى خطوط المنتخب، ليظهر “أسود الأطلس” بصورة المنتخب القوي والمنظم، بل والمنتخب شبه المتكامل الذي تنتظره الجماهير المغربية.
لقد بدا واضحاً أن بعض الاختيارات الأساسية، لم تعط الإضافة المنتظرة، وأن الفريق كان بحاجة إلى ضخ دماء جديدة وإعادة ترتيب الأوراق. وبمجرد دخول العناصر البديلة، تغيرت ملامح المباراة تماماً، وبدأ المنتخب المغربي، يستعيد شخصيته وهيبته داخل رقعة الميدان.
نحن لا ننتقد من أجل الانتقاد، ولا نشكك في كفاءة محمد وهبي، كما أننا لا نشك لحظة في ذكاء الجماهير المغربية وقدرتها على قراءة ما يجري داخل المستطيل الأخضر. لكن من حق هذا الجمهور أن يحذر من مغبة اللعب بالنار، لأن مباريات كأس العالم لا ترحم، والأخطاء التي يمكن تجاوزها، أمام هايتي، قد تتحول إلى كوارث أمام منتخبات أكثر قوة وخبرة.
وجاءت الدقيقة الثامنة والسبعون لتترجم التفوق المغربي في الشوط الثاني، عندما تمكن سفيان رحيمي من تسجيل الهدف الثالث، بعد عمل جماعي أكد أن المنتخب المغربي، يصبح أكثر خطورة عندما يلعب بأوراقه الأكثر جاهزية وانسجاماً.
ولم تتوقف الإثارة عند هذا الحد. ففي هجمة جميلة قادها عز الدين أوناحي، قبل أن يتسلم رحيمي الكرة ويراوغ أحد المدافعين ببراعة، مررها إلى اللاعب الشاب جسيم الذي أسكنها الشباك، وسط فرحة عارمة قبل أن يتدخل حكام تقنية الفيديو المساعد “الفار”، في لقطة عرفت كثيراً من الأخذ والرد والمد والجزر، قبل أن يتم تأكيد الهدف الرابع للمنتخب المغربي.
ورغم التقدم المريح، فإن الدقائق الأخيرة، ذكّرت الجميع بأن التركيز، يجب أن يستمر حتى صافرة النهاية، بعدما كاد منتخب هايتي أن يقلص الفارق في آخر أنفاس المباراة، لولا التدخل الرائع للحارس العملاق ياسين بونو، الذي تصدى لكرة كانت في طريقها إلى الشباك، مؤكداً مرة أخرى، أنه ليس مجرد حارس مرمى، بل صمام أمان حقيقي لهذا المنتخب.
وهكذا، خرج المنتخب المغربي منتصراً بأربعة أهداف مقابل هدفين، وتأهل بمعنويات مرتفعة، لكن هذا الفوز يجب أن يكون أيضاً فرصة للتأمل واستخلاص الدروس.
فالمنتخب المغربي يملك كل المقومات للذهاب بعيداً في هذه البطولة، لكنه لا يملك ترف التهاون أو التجريب المبالغ فيه أو منح الخصوم جرعات مجانية من الأمل.
لقد أنقذت التغييرات المتأخرة ماء وجه محمد وهبي، وأنقذت المنتخب من تعثر، كان سيطرح أسئلة كثيرة، لكن الرسالة الأهم بعد هذه المباراة تبقى واضحة: في المونديال، لا يوجد خصم صغير، ولا توجد مباراة مضمونة، واللعب بالنار، قد ينتهي في أي لحظة بحريق، لا ينفع معه الندم.





https://shorturl.fm/mULJm