الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

بعد فيضانات آسفي: الهيئة الوطنية للمحامين ترفع ملف المقاضاة ضد رئيس الحكومة

ضربة قلم

لم يأتِ الحديث عن توجّه الهيئة الوطنية للمحامين نحو مقاضاة رئيس الحكومة من فراغ، ولا يمكن عزله عن السياق العام، الذي أعقب فاجعة فيضانات آسفي، حيث تحوّل الحدث الطبيعي إلى صدمة وطنية أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجدّدًا: من يُحاسَب حين تفشل الوقاية ويغيب الاستباق؟ فبحسب ما أوردته جريدة الكترونية، فإن هذا التوجه يعكس انتقال النقاش من مستوى التنديد الأخلاقي والسياسي، إلى مستوى التفكير في المساءلة القانونية، ولو في حدودها الرمزية. وهو تطور لافت، ليس فقط بسبب الجهة التي تفكّر في سلوك هذا المسار، بل لأن الجسم الذي يصدر عنه هو هيئة مهنية قانونية، تدرك جيدًا الفرق بين الموقف السياسي والادّعاء القضائي، وتزن خطواتها بميزان النص والمسؤولية. الأهم في هذه الخطوة المحتملة، أنها لا تستهدف شخصًا بعينه، بقدر ما تطرح مسألة المسؤولية المؤسساتية. فحين تقع كارثة بهذا الحجم، وتتكرر الأسئلة نفسها حول البنية التحتية، والتصريف، والإنذار المبكر، وتدبير المجال الحضري، يصبح من المشروع طرح سؤال: هل كانت الكارثة قضاءً وقدرًا خالصًا؟ أم أن ما وقع هو نتيجة تراكم اختلالات معروفة، جرى التغاضي عنها؟ في هذا السياق، يُقرأ تحرك الهيئة – إن تم تأكيده في مساره الإجرائي – كرسالة مزدوجة: رسالة إلى الحكومة مفادها أن الشرعية السياسية، لا تعني حصانة مطلقة، ورسالة إلى الرأي العام بأن القانون ليس حكرًا على الضعفاء، ويمكن – نظريًا على الأقل – أن يُستدعى لمساءلة أعلى هرم تنفيذي، ولو من باب فتح النقاش لا حسم الإدانة. كما أن أهمية هذا التطور تكمن في كونه، قد يُعيد تعريف دور الهيئات المهنية، التي طالما حُصرت في الدفاع عن مصالح أعضائها المباشرة، فإذا بها اليوم تضع نفسها – ولو رمزيًا – في قلب النقاش الوطني حول الحق في الحياة، وسلامة المواطنين، وربط المسؤولية بالمحاسبة. في المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن هذا المسار، إن سلك فعليًا، سيكون معقّدًا ومليئًا بالعقبات القانونية والإجرائية، وهو ما يجعل الحديث عنه، في هذه المرحلة حديثًا عن توجّه ونقاش داخلي أكثر منه عن دعوى جاهزة المعالم. لكن، حتى في هذه الحدود، يظل مجرد التفكير في اللجوء إلى القضاء خطوة غير مألوفة، وتعبيرًا عن منسوب غير مسبوق من الاحتقان القانوني والمؤسساتي. وبين من يرى في هذه الخطوة دفاعًا مشروعًا عن الحق العام، ومن يعتبرها تحميلًا سياسيًا للقضاء، يبقى الثابت أن فاجعة آسفي كسرت جدار الصمت، ولم تعد قابلة للاحتواء ببلاغات التعزية وحدها. فما بعد الفيضانات، ليس كما قبلها، وما طُرح اليوم في الكواليس القانونية، قد يتحول غدًا إلى سابقة في الذاكرة السياسية والقضائية، سواء كملف معروض، أو كسؤال كبير ظل بلا جواب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.