بعض العمال يتحركون كالنحل… والبعض الآخر كأنهم في عطلة مدفوعة الأجر!.

ضربة قلم
في بلاد العجائب الإدارية، حيث المشاريع تمشي بسرعة الحلزون المنهك، وحيث الجماعات تُدار أحيانًا بمنطق “سير الله يعاون”، تنفس المواطن المغربي الصعداء (ولو بتحفظ شديد) وهو يسمع أن بعض العمال الجدد – ونشدد على كلمة “بعض” كما تفعل وزارة الداخلية عند قراءة الجرائد وهي ترفع حاجبًا وتخفض الآخر – قد قرروا أخيرًا كسر روتين الجلوس خلف المكاتب الوثيرة والخروج في جولات “تأملية” إلى أراضي الجماعات التابعة لهم. طبعًا لا نتحدث هنا عن جولات سياحية أو نزهات بالأحذية اللامعة، بل عن زيارات مفاجئة، سريعة، بقبعاتهم الواقية وربما حتى مزعجة للبعض ممن تعودوا على الهدوء الإداري و”الصمت المؤسسي”.
خذ عندك عامل المحمدية الجديد، عادل المالكي، الذي يبدو أنه جاء وفي جعبته شيء من الحزم والجدية. الرجل لم يمض وقتًا طويلًا في تقليب الملفات وانتظار التقارير، بل نزل إلى الميدان، على طريقة أفلام الأكشن، يطل من زقاق إلى آخر، ويتفقد عين حرودة والشلالات وكأنه يقول “لن أترك الجماعة ترتجف وحدها”. تعليماته نزلت كالصاعقة: لا فوضى بعد اليوم، لا ارتجال، وكأن الرجل جاء ليعلّم البعض الفرق بين مشروع تنموي و”قهوة نص نص مع رئيس المجلس”.
ثم ننتقل إلى اليوسفية، حيث عبد المومن طالب، الذي خرج لتوه من وزارة التربية الوطنية، حاملاً معه طقوس الزيارات المفاجئة بدل التفتيش المدرسي. تجده في الشماعية يتحدث مع الحرفيين والتجار، ويقف على المجزرة المغلقة وكأنه يقول: “ماشي معقول الجزارين تا هوما خدامين غير بالنية”. مر من المركز الثقافي، ودخل مركز تصفية الدم، ليقف على واقع خدمات القصور الكلوي، وكأن لسان حاله يقول: “حتى الدم بغا تنقية، ماشي غير المجالس”.
أما عامل سطات، محمد علي حبوها، فهو رجل تقني بامتياز. لم يكتفِ بالنظر من خلف زجاج السيارة الفارهة، بل قرر الاستعانة بطائرات “الدرون”، وكأنه في مهمة استطلاع سرية في منطقة نزاع. الدرون تحلق، تصور، تحلل، وتكشف النقاط السوداء التي لم ترها أعين المجالس المنتخبة منذ عقود. وفي انتظار الوقوف على المزيد من الصفقات المشبوهة، هناك البناء العشوائي؟ مرصود. الطرق المتآكلة؟ مرصودة. وحتى الكلاب الضالة ربما ظهروا في الفيديوهات، وكل شيء يسير نحو خارطة طريق “رقمية”، لأن العصر تغيّر، ولم يعد فيه مكان للكراريس والبريكولاج.
ثم نصل إلى عمالة بنسليمان، حيث حل لحسن بوكوطة، القادم من سيدي بنور، وكله عزيمة لترويض ما عجز عنه من سبقوه. الرجل بدأ مهمته بلقاءات ماراثونية مع الفاعلين، وشرع في إطلاق حملة ضد العشوائية و”الاحتلال البحري”، نعم الاحتلال البحري! شواطئ بوزنيقة التي تحولت طيلة سنوات إلى “ساحة عشوائية للتجهيزات العائلية” – فيها الأكواخ، والشماسي، ومواقف السيارات العشوائية، وحتى “المقاهي الطائرة” التي تظهر في الصيف وتختفي مع أول قطرة مطر – أخيرًا أصبحت على جدول الأعمال، بعد أن ظلت خارجه لسنوات وكأنها تنتمي إلى دولة جزرية مستقلة.
والآن، ومع كل هذه الحركة والنشاط، لا يسع المواطن إلا أن يتساءل: هل هؤلاء العمال في مهمة إنقاذ فعلي؟ أم أنها مجرد “نشوة البداية” التي سرعان ما تتبخر أمام مقاومة جدران البيروقراطية السميكة؟ لأننا تعودنا أن نرى الهمم تشعل أول القنديلات، ثم تنطفئ بهدوء حين تصطدم بجيش “الكوابح البشرية”، من منتخبين لا يعرفون من التنمية سوى التقاط الصور، إلى موظفين يعتقدون أن الرقمنة هي مرض جلدي معدٍ.
على كل حال، لا يسعنا إلا أن نرقب المشهد بابتسامة ساخرة وأصابع متقاطعة. فربما هذه المرة، ومع قليل من الضغط وكثير من الحنكة، سينجح بعض هؤلاء العمال الجدد في جر القطار من مستنقع الأعطاب. وربما… فقط ربما، سيستيقظ البعض ليفهم أن الجماعة ليست ملكًا خاصًا، وأن المشاريع ليست وعودًا انتخابية تُرمى في سلة مهملات بعد التصويت، بل هي حق للناس وواجب على من يملك الصلاحية.
لكن إلى ذلك الحين، نكتفي بالمراقبة والتعليق، ونقول للعامل الجديد حين يمر في زيارته المقبلة: لا تنس أن تلتفت يسارًا، فهناك أيضًا ورشة متوقفة منذ 2009، وأخرى منذ أن كانت المجالس تُدار بالدراجة الهوائية!





https://shorturl.fm/fSv4z
https://shorturl.fm/ypgnt