الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

بفضل إضرابات التعليم والعمال والطلبة… زيادات الأمن والدرك والشرطة

ضربة قلم

إضرابك… راتبي أنا!

لو اجتمع رجال التعليم والعمال والطلبة على مائدة مستديرة وسألوا أنفسهم: ماذا جَنينا من نصف قرن من الإضرابات والشعارات والوقفات؟ لكان الجواب أقرب إلى نكتة سوداء: “لقد ضمِنّا الزيادة في أجور رجال الأمن والدرك والشرطة… مشكورين!”

الطبشور الذي أطعم الهراوة

كلما رفع رجال التعليم الطباشير عالياً وهددوا بترك السبورة فارغة، لم تبادر الحكومات الموقرة إلى تحسين وضعية الأستاذ، بل سارعت إلى تحسين وضعية “الهراوة”. وكأنها تقول: “فلنتركك تصرخ ما شئت… لكننا سنزيد راتب من سيطلب منك أن تعود إلى القسم غصباً أو حباً.”
هكذا أصبح الطباشير لا يكتب الدروس فقط، بل يرسم طريق الزيادة في أجور الشرطة.

المطارق التي صاغت البذلات

أما عمال المناجم والمصانع، فهم حين يوقفون المطارق والآلات، يخسر أرباب العمل أرباحهم، وتفقد الدولة بعض ضرائبها، لكن المستفيد الأكبر يظل واحداً: صاحب البذلة النظامية. فكل ضربة مطرقة توقفت في باطن الأرض، وُلدت معها زيادة جديدة في حسابات رجال الأمن والدرك، كتعويض عن “وجع الرأس” الذي قد تسببه مظاهرات العمال في الساحات.

الطلبة… قنابل صوتية مجانية

الطلبة، أولئك الذين يعتقدون أنهم يهددون النظام بشعاراتهم الثورية، صاروا في الحقيقة أكبر حملة إشهارية لزيادة أجور الأمن. كل اعتصام طلابي يساوي جلسة حكومية عاجلة تخرج بقرار: “لنرفع رواتب رجال التدخل السريع، فقد يحتاجون لشراء مزيد من الخوذ والدروع.”
الطالب يكتب على جدران الكلية “الشعب يريد”، فيُترجمها الوزير على شكل مرسوم: “الأمن يريد زيادة… وليكن له ما يريد.”

المنطق المقلوب

المفارقة تثير الضحك والبكاء معاً: من يحتج لا يستفيد، ومن لا يحتج يتقاضى الزيادة. رجال التعليم يصرخون في الساحات تحت المطر والشمس، فيأتي الجزاء على شكل زيادة في راتب الشرطي الذي يراقبهم. العمال يوقفون الإنتاج فيُكافأ الدركي الذي يفضّ اعتصامهم. الطلبة يضربون عن الدراسة، فيتحسن وضع الشرطي الذي يكتب تقارير عن تحركاتهم.

إنه منطق “إضرِبْ أنت… أستفيد أنا!”

حكوماتنا الموقرة وفلسفة العصا

الحكومات المتعاقبة لم تؤمن يوماً بأن الزيادة في أجور رجال التعليم أو تحسين ظروف العمال قد تُحقق الاستقرار. الاستقرار، في نظرها، يأتي من تقوية “القبضة”، لا من تلبية المطالب. لذلك نراها كلما ارتفع صوت اجتماعي، رفعت في المقابل راتب رجل الأمن، حتى يبقى مستعداً للتدخل في أي لحظة.

ولعل أجمل ما في هذه الفلسفة أن الحكومات تعاملت مع الإضرابات كنوع من “التبرع غير المباشر”:

  • رجال التعليم يتبرعون بعرقهم لزيادة دخل الشرطي.

  • العمال يتبرعون بصحتهم في المناجم والمصانع لرفع راتب الدركي.

  • الطلبة يتبرعون بأحلامهم المؤجلة لشراء بذلات جديدة لرجال الأمن.

خلاصة لاذعة

في النهاية، يحق لرجل الأمن أن يقول لزميله مازحاً: “اللهم أكثر من إضرابات رجال التعليم والعمال والطلبة… ففي كل مرة يعودون بخفي حنين، ونعود نحن بحساب بنكي أثقل وزي جديد أكثر لمعاناً.”

ويبقى السؤال الكبير:
متى يفطن المحتجون إلى أن احتجاجاتهم تحولت إلى ماكينة صامتة لطبع زيادات لغيرهم؟ ومتى سيطالب رجال التعليم والعمال والطلبة بنسبة من تلك “المنح الأمنية” باعتبارهم السبب المباشر في وجودها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.