
ضربة قلم
في بلادنا، يقولون لك بثقة العالم الاقتصادي الكبير: “نحن نتقدم، نحن ننهض، نحن في المسار الصحيح”. وحين تفتح التلفاز، ترى عشرات المشاريع العملاقة: ميناء يبتلع السفن، كما تبتلع الأرض المطر، طرق سيارة تمتد كالأحلام، وخطابات حماسية عن الطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر. كل شيء يلمع ويبرق، لكن ما إن تخرج من باب بيتك حتى تكتشف الحقيقة: الأضواء كانت مجرد انعكاس على بركة ماء آسن.
الفقر هنا ليس مجرد حالة اجتماعية، بل صار جزءًا من الهوية الوطنية، كأنه شعار غير مكتوب على جواز السفر: “مغربي… إذن فقير بالضرورة”. يكفي أن تسأل أي رب أسرة: كيف تدبّر مصاريف البيت؟ فيبتسم ضاحكًا قبل أن يجيب: “نسميها فنون السيرك”. يقفز من كراء البيت إلى ثمن الخبز، يتشقلب بين فاتورة الماء والكهرباء، ويتدحرج في نهاية الشهر إلى جيب فارغ، ومع ذلك يصفق لنفسه لأنه ما زال واقفًا.
الغريب أن المسؤولين يصرون دائمًا على وصف الفقر بكونه “تحديًا ظرفيًا”، وكأنه ضيف مزعج جاء بالخطأ وسيغادر قريبًا. لكن الحقيقة أن الفقر عندنا مثل الكلب الوفي: لا يغادر باب بيتك، بل ينام أمام العتبة ويستيقظ معك، وربما يرافقك إلى العمل ليذكّرك أنك لست وحدك.
أما السياسيون، فقد اكتشفوا وصفة سحرية: بدل أن يحلّوا مشاكل الناس، يكتفون بتوزيع الخطب. كلما ارتفع ثمن الطماطم قالوا: “سنة فلاحية استثنائية”. كلما اشتكى الناس من البطالة، أجابوا: “شبابنا ثروة حقيقية”. أما إذا انفجر أحدهم من الغضب، فيُقال: “إنه لا يرى الصورة الكبرى”. وهكذا يصبح المواطن هو المشكلة، لا الوضع نفسه.
الطوابير بدورها أصبحت جزءًا من المشهد العام: طوابير للخبز، طوابير للسكر، طوابير أمام مكاتب الشكايات، وطوابير أخطر أمام القنصليات والسفارات. كأن البلاد تتفنن في تدريب مواطنيها على الصبر والانضباط، حتى صار الانتظار هواية جماعية. والأنكى أن من لم يلتحق بالطابور يُتهم بأنه “لا يحب الوطن”.
أما الإعلام الرسمي، فحدّث ولا حرج. يملأ الشاشات بالإنجازات الوهمية: قطار جديد، طريق جديدة، مصنع ضخم. لكن ما إن تسأل المواطن البسيط عن نصيبه، حتى يجيب: “شفت القطار من بعيد… صورته في الهاتف”. نصيب الشعب من المشاريع لا يتجاوز صورة يتداولها على مواقع التواصل، بينما جيبه ما زال فارغًا.
في النهاية، يبدو أن الفقر في بلادنا ليس أزمة تحتاج إلى حلول، بل هو استراتيجية حكم: ما دام المواطن مشغولًا بمطاردة قنينة الغاز، فلن يجد وقتًا ليسأل عن الثروات التي تختفي تحت الطاولة. وما دام يركض وراء ثمن الخبز، فلن يسأل عن الملايير التي تتبخر في الهواء.
هكذا يتحول الفقر من عار يجب محاربته، إلى علامة مسجلة في قاموس السياسة: “نعدكم بمزيد من الصبر، ومزيد من الوعود، ومزيد من الطوابير”.





https://shorturl.fm/Bh9gV