بلاغ على ورق طايب: ابن زهر توزع الصمت بنظام الماستر

ضربة قلم
كان يمكن أن تكتفي جامعة ابن زهر بالصمت، فالصمت في بعض اللحظات أبلغ من الكلام، لكنه على الأقل لا يُضحك الناس. أما أن تنتظر أسبوعًا كاملاً على وقع فضيحة “ماستر للبيع، الكاش والتوصيل مضمون”، ثم تُخرج بلاغًا بلا نَفَس ولا نَفَس، فذاك ما يستحق تصفيقًا خجولًا بحجم “بلاغ إداري تقني يُوزع على موظفي المقصف”.
البلاغ الذي حمل توقيعًا غامضًا “جامعة ابن زهر 2” – وكأننا أمام سيكوِل لفيلم لم ينته بعد – كان أقرب إلى استراحة إعلانية مملة بين فصلين من مسلسل فضائحي. لا جديد، لا اعتراف، لا خجل. مجرد تمرين لغوي على فن التعتيم، يُشبه ما يُكتب في أسفل عبوة دواء: “الاستعمال على مسؤوليتكم”.
كنا ننتظر من جامعة تصدّر الدكاترة والأطر والإداريين أن تقول شيئًا يشبه الحقيقة، أن تخاطب الرأي العام بلغته، أو على الأقل بلغة عربية صحيحة تُظهر أنهم لا يزالون يُدرّسون النحو، فإذا بها تقدم بيانًا يُشبه تلك النصوص التي تُطلب من التلاميذ الكسالى في الامتحانات: “اكتب موضوعًا إنشائيًا حول قضية لا تعرف عنها شيئًا، ولا تكتب أكثر من عشرة أسطر”.
ولأن الجامعة اختارت أن “تَصمُت بالكلمات”، فقد أغفلت ما لا يُغتفر:
- لم تذكر اسم الأستاذ المتابع، خوفًا من “العدوى”،
- لم تُشر لا من قريب ولا من بعيد إلى اختلال الثقة في شهاداتها،
- لم تتحدث عن الضحايا المفترضين، ولا عن الطلبة الذين قد يكونون اشتروا الماستر مثل من يشتري قنينة زيت مستوردة.
والأهم: لم تُعلن عن أي إجراء مستقبلي يُعيد للجامعة هيبتها، وكأن المؤسسة تحبذ فلسفة “دعه يمر، دعه يمرّ، فالذاكرة قصيرة والمغاربة ينسون”.
المفارقة العجيبة أن هذه الجامعة نفسها تدرّس شُعَبًا في الإعلام والتواصل، وتُخرّج أفواجًا من الإعلاميين كل عام، لكنها عند أول مطبّ حقيقي فضّلت لغة التملص على الوضوح، ولغة الإنشاء على المعلومة، وكأن كل تلك الدروس التي ألقتها على الطلبة طوال سنوات كانت مجرد عروض مسرحية.
البلاغ كان أشبه برسالة استقالة من المسؤولية، أو إعلانًا ضمنيًا أن الجامعة لا ترى في هذه الفضيحة أكثر من “حادث عرضي” سيُعالج مثلما تُعالج ملفات كثيرة: بالتماطل، بالتأجيل، أو بالدفن الإداري.
ربما ظنت الجامعة أن الرأي العام سينسى، وأن البلاغ سيُسكّت الأفواه. لكننا في عصر تسريب “السكرين شوت”، وبيع الشواهد صار يُناقش في مجموعات واتساب أكثر مما يُناقش في المجالس التأديبية.
باختصار، جامعة ابن زهر تواصل التعليم، نعم، لكنها نسيت أن تتعلم من أخطائها. والبلاغ الذي أصدرته ليس إلا صفحة بيضاء نُقشت بالحبر البارد، ووقّع عليه شخص لا يريد أن يزعج أحدًا… لا المتورطين، ولا الرأي العام، ولا حتى نفسه.
السؤال الذي يبقى معلقًا في الهواء مثل شهادة بدون توقيع:
من يشتري الماستر؟ ومن يبيع ماء وجه الجامعة؟
وهل نحتاج إلى بلاغ آخر… أم شهادة حسن سيرة وسلوك للبلاغ نفسه؟





https://shorturl.fm/bODKa
https://shorturl.fm/m8ueY