بلاغ هيئة المحامين بالرباط: حين يتحول التوقف عن العمل إلى موقف أخلاقي قبل أن يكون إجراءً مهنياً

ضربة قلم
في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتختلط فيه المواقف، ويُراد فيه للمهن الحرة، أن تتحول إلى مجرد أدوات صامتة، داخل منظومة لا تسمع إلا صوتها، يطلّ بلاغ هيئة المحامين بالرباط، كوثيقة ليست إدارية فحسب، بل بيان موقف، وصرخة مهنية محسوبة، ورسالة واضحة مفادها أن للمحاماة ذاكرة، وكرامة، وسقوفًا لا يمكن القفز فوقها دون ثمن.
البلاغ، الصادر بتاريخ 13 يناير 2026، والمنشور تحت عدد 7/2026، لا يأتي من فراغ، ولا يمكن قراءته قراءة سطحية، تختزل مضمونه في مجرد إعلان، عن أيام توقف عن تقديم الخدمات. بل هو امتداد لسياق وطني ومهني مشحون، عنوانه العريض: الدفاع عن وحدة الصف المهني للمحامين، وصون استقلالية المهنة، والالتزام الجماعي حين تُستهدف ثوابتها.
وحدة الصف المهني: حين يصبح التضامن واجبًا لا خيارًا
يستند البلاغ صراحة، إلى قرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب، الوارد في بلاغ 09 يناير 2026، وهو استحضار ليس شكليًا، بل يحمل دلالة عميقة:
لا اجتهاد فرديًا، حين يتعلق الأمر، بالمصير الجماعي للمهنة.
فهيئة المحامين بالرباط تعلن، دون مواربة، أن وحدة الصف المهني ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ممارسة فعلية تتجسد في:
-
الالتفاف الواعي والمسؤول حول قرارات الإطار التمثيلي الوطني.
-
ترجمة تلك القرارات ميدانيًا، لا الاكتفاء بتأييد نظري أو بيانات مجاملة.
-
الانخراط الجماعي، خصوصًا حين تشعر المهنة، بأنها مستهدفة في ثوابتها وأركانها الأساسية، المتعارف عليها قانونًا وأخلاقيًا.
وهنا يبرز البعد الأخلاقي للبلاغ: المحاماة ليست مجرد مهنة خدمات، بل رسالة، وعندما تُمسّ الرسالة، يصبح الصمت تواطؤًا.
التوقف عن تقديم الخدمات: احتجاج هادئ، لكن شديد الدلالة
البلاغ يدعو صراحة، إلى التوقف الشامل، عن تقديم الخدمات خلال أيام محددة:
-
الخميس والجمعة: 15 و16 يناير 2026
-
الثلاثاء والأربعاء: 20 و21 يناير 2026
-
الأربعاء والخميس: 28 و29 يناير 2026
وهذا التوزيع الزمني،ليس اعتباطيًا، بل يحمل رسائل متعددة:
-
الاحتجاج ليس لحظة انفعالية عابرة، بل فعل مدروس وممتد.
-
الضغط المهني، يتم بشكل متدرج، مع الحفاظ على الطابع السلمي والمسؤول.
-
الرهان على الوعي الجماعي، لا على الصدام أو الفوضى.
إنه توقف، لا يُراد به شلّ العدالة، بل تنبيهها، ولا تعطيل الحقوق، بل حمايتها على المدى البعيد.
كرامة المهنة قبل منطق “الاستمرارية بأي ثمن”
البلاغ، وإن لم يدخل في تفاصيل الأسباب المباشرة للاحتقان، إلا أنه يلمّح بوضوح إلى أن المهنة تشعر بأنها:
-
تُستهدف في استقلاليتها.
-
يُنظر إليها أحيانًا كعنصر تابع، لا كشريك في تحقيق العدالة.
-
يُراد لها أن تؤدي أدوارًا، دون أن تُمنح المكانة، التي تليق بها، داخل المنظومة القضائية.
ومن هنا، يصبح التوقف عن العمل فعلاً دفاعيًا مشروعًا، يهدف إلى:
-
حماية المهنة من التآكل البطيء.
-
التذكير بأن المحامي، ليس موظفًا عرضيًا، بل فاعل أساسي في بناء دولة القانون.
-
إعادة الاعتبار للبعد الرمزي للمحاماة، الذي يتجاوز الملفات والجلسات إلى الدفاع عن الحقوق والحريات.
رسالة إلى الداخل والخارج
هذا البلاغ يوجّه رسائل متعددة:
-
إلى المحامين: أن الانخراط الواعي والمسؤول، هو صمام الأمان الوحيد أمام محاولات التفكيك أو التهميش.
-
إلى المؤسسات: أن المحاماة حين تتحرك، تفعل ذلك دفاعًا عن العدالة لا ضدها.
-
إلى الرأي العام: أن ما يبدو تعطيلًا مؤقتًا، هو في جوهره استثمار طويل الأمد، في عدالة أكثر توازنًا واحترامًا.
خلاصة القول
بلاغ هيئة المحامين بالرباط، ليس مجرد وثيقة إدارية، مؤرخة وموقعة، بل نصٌّ مشحون بالدلالات، يعكس وعيًا مهنيًا عميقًا بأن:
المهنة التي لا تدافع عن نفسها، تفقد تدريجيًا قدرتها على الدفاع عن الآخرين.
وفي زمن الالتباس، يبقى الانخراط الجماعي، المسؤول، والواعي، هو الحد الأدنى من الوفاء لرسالة المحاماة، ولتاريخها، وللأجيال القادمة التي ستسأل يومًا:
ماذا فعلتم، حين كانت المهنة على المحك؟




