بما أنك تتابع «ضربة قلم» يومياً… فهذا المقال مرفوع إليك

م-ص
هناك عبارات يقولها الإنسان، ثم ينساها بعد دقائق.
وهناك عبارات يقولها، فتظل عالقة في أذهان الناس، ليس لأنها عظيمة، ولكن، لأنها قالت عن صاحبها، أكثر مما كان يتصور.
ومن بين هذه العبارات، تلك التي اختارها مسؤول، وهو يخاطب أحد المتشبهين بالصحافة:
«أنا أتابعك يومياً»!
حسناً…
وصلت الرسالة.
بل وصلت واضحة، من دون حاجة إلى مترجم، ولا إلى خبير في فك شفرات التصريحات الرسمية، ولا حتى إلى ذلك النوع الجديد من الصحافيين، الذين أصبح الهاتف عندهم مهنة، والكاميرا بطاقة مهنية، والوقوف أمام العدسة، دليلاً على أنهم يمارسون الصحافة!
لكن اسمح لنا، بما أنك تتابعنا يومياً، أن نقول لك شيئاً، ربما لم يكن في الحسبان.
نحن لا ننزعج من كونك تتابع.
بالعكس.
تابع.
اقرأ.
شاهد.
احتفظ بالمقالات.
ضع لها علامات.
بل يمكنك، إذا أردت، أن تخصص لها ملفاً خاصاً!
لكن لا تحتقر ساكنة المحمدية إلى درجة الاعتقاد، بأن كل ما يُقال أمام هاتف، وكل ما يُقدم في قالب شعبوي، يمكن أن ينطلي عليهم.
هنا فقط تبدأ المشكلة.
«أنا أتابعك يومياً»… لماذا؟
السؤال ليس: هل يتابع المسؤول الصحافة؟
طبعاً من حقه، بل من واجبه، أن يعرف ماذا يقال في المدينة، التي يتحمل مسؤولية تدبير شؤونها.
السؤال الحقيقي هو:
لماذا أصبحت بعض الانتقادات القليلة، كافية لزعزعة الهدوء؟
لماذا أصبح مجرد نشر ما لا يعجب المسؤول، سبباً في الخروج بتصريحات من هذا النوع؟
نحن لم نقل إن السماء سقطت.
ولم نقل إن المدينة انتهت.
ولم نحاكم أحداً.
فقط كتبنا.
انتقدنا.
طرحنا أسئلة.
وأشارنا إلى أشياء يراها المواطن بعينيه، وقد يتحدث عنها في المقاهي والبيوت والأسواق ووسائل النقل، من دون أن يحتاج إلى كاميرا كي يثبت أنه مواطن.
ومع ذلك…
يبدو أن بضع مقالات، كانت كافية، لكي يصبح كاتبها موضوع متابعة يومية!
يا سلام!
لو كنا نعرف أن النقد، يمتلك كل هذه القوة، لكنا وفرنا على أنفسنا كثيراً من الكتابة.
المشكلة ليست في «ضربة قلم»…
المشكلة الحقيقية، هي في الاعتقاد، بأن سكان المحمدية، يمكن أن يُعاملوا وكأنهم لا يفهمون.
هذه مدينة، فيها أناس، يعرفون جيداً ما يجري حولهم.
فيها موظفون.
وعمال.
وتجار.
وأطباء.
وأساتذة.
وفاعلون جمعويون.
وأمهات وآباء.
وشباب.
وأناس لا علاقة لهم بكل هذه المعارك، لكنهم يرون ويسمعون ويقارنون.
وهؤلاء لا يحتاجون، إلى من يمسك هاتفاً أمامهم ويقول لهم:
«شوفو شنو خاصكم تشوفو!»
فالمواطن ليس قاصراً.
وليس «كومبارس» في فيديو.
وليس جمهوراً مطلوباً منه أن يصفق، كلما ارتفع الصوت أمام الكاميرا.
والأهم من ذلك كله:
ساكنة المحمدية ليست ساذجة.
ومن يراهن على الشعبوية، كي يصنع لنفسه صورة أقوى من الواقع، قد يكتشف، عاجلاً أو آجلاً، أن الهاتف الذكي، لا يجعل صاحبه أذكى، وأن الكاميرا لا تحول الكلام إلى حقيقة.
الصحافة لا تُدار بمنطق «أعجبني ولم يعجبني»
ربما آن الأوان، لتوضيح شيء بسيط جداً:
الصحافة، ليست موظفاً عند المسؤول.
ولا تنتظر منه، شهادة حسن السيرة والسلوك.
ولا تكتب، لكي تقول له كل صباح:
«السيد المسؤول، كل شيء رائع، المدينة بخير، والمواطنون سعداء، والشمس تشرق بإذنكم!»
هذه ليست صحافة.
الصحافة تسأل.
والصحافة تنتقد.
والصحافة قد تخطئ، وإذا أخطأت تُصحح.
لكنها، لا تصبح خصماً، لمجرد أنها قالت شيئاً، لم يعجب المسؤول.
وفي المقابل، فإن المسؤول الذي يثق في عمله، لا يفترض أن تهزه مقالة، ولا أن تستفزه تدوينة، ولا أن تدفعه انتقادات محدودة إلى الدخول في معارك جانبية.
الرد على الصحافة يكون بالحجة، لا بالانزعاج منها.
والرد على السؤال يكون بالجواب.
والرد على الانتقاد يكون بالفعل.
أما الدخول في مباراة «من يتابع من؟»، فهذه لعبة أخرى، ولا نعتقد أنها تليق بمسؤول، يفترض أن لديه، ما هو أهم بكثير من عدّ المقالات التي نشرتها «ضربة قلم».
أما حكاية الهواتف… فهذه تستحق وقفة
في زمننا هذا، أصبح بإمكان أي شخص، أن يضع هاتفاً أمام وجهه، ويبدأ الكلام.
وهذا حقه.
لكن هناك فرقاً صغيراً جداً بين امتلاك هاتف وامتلاك مهنة.
والفرق أكبر، بين أن تتحدث أمام الكاميرا وبين أن تكون صحافياً.
فالصحافة، ليست «سلفي» سياسي.
وليست ميكروفوناً، يلتقط الكلام ويعيده.
وليست مسابقة في من يستطيع رفع صوته أكثر.
الصحافة بحث، وسؤال، وتحقق، ومسؤولية، ومصدر، وسياق، وأحياناً شجاعة قول «لا نعرف»، عندما لا نملك المعلومة.
أما أن يتحول الهاتف إلى منصة لإنتاج الشعبوية، ثم يُطلب من المواطن، أن يصدق كل ما يقال أمامه…
فهذه إهانة، لذكاء المواطن، قبل أن تكون إهانة للصحافة.
والمحمدية تستحق أفضل من ذلك.
نحن لا نحذرك من «اللعب بالنار»…
لا.
لن نقول لك: احذر.
ولن نقول لك: انتبه.
ولن ندخل في لغة التهديد التي لا مكان لها في الصحافة.
لكننا، نقول شيئاً أبسط:
لا تجعل النقد، يبدو وكأنه خطر.
لأن المسؤول الذي يتعامل مع النقد باعتباره خصومة، قد يمنح النقد حجماً، لم يكن يبحث عنه أصلاً.
ونحن لا نبحث عن معركة.
نبحث عن إجابات.
ولا نريد إسقاط أحد.
نريد فقط، أن نعرف لماذا حدث هذا؟
ولماذا لم يحدث ذاك؟
ولماذا قيل هذا؟
ولماذا تُرك ذاك؟
هذه أسئلة بسيطة.
لكن، يبدو أن بعض الأسئلة البسيطة أصبحت، في زمننا، تحتاج إلى شجاعة أكبر من بعض الأجوبة الطويلة!
«اللي باغي يدير… علاش يمشي»!
هنا، بصراحة، وصلنا إلى الجملة التي تستحق، أن تُحجز لها مقعد في الصف الأول، وربما أن يُمنح لها أيضاً بعض الوقت للتأمل!
«اللي باغي يدير علاش يمشي»!
جملة قصيرة، لكنها تحمل من المعاني أكثر، مما تحتمل الكلمات!
والمثل المغربي، كما نعرفه، يقول في سياقات أخرى: «كيدير علاش يرجع»…
لكن يبدو أن الزمن السياسي، قرر أن يطوّر المثل قليلاً، فصار عندنا:
«كيدير علاش يمشي»!
ولا تسألني، كيف وصلنا إلى هذه النسخة الجديدة…
فبعض الأمثال، مثل بعض التصريحات، تولد من تلقاء نفسها، ثم تترك الناس يتكلفون بشرحها!
والحقيقة أن عبارة «كيدير علاش يمشي» تصلح لأشياء كثيرة:
لرحلة قصيرة، أو جولة في المدينة، أو حتى لمن قرر أن يغير الجو ويقول: «يالله نمشيو»!
لكن، حين يتعلق الأمر بتدبير مدينة، فالحكاية تصبح مختلفة قليلاً.
لأن المسؤولية ليست:
«باغي ندير؟ ندير!»
وليست أيضاً:
«ما عجبكش الحال؟ دوز من هنا!»
وليست:
«أنا نعرف، والآخرون يتفرجون!»
المسؤولية، في أبسط تعريفاتها، هي أن تعرف أن الكرسي، ليس ملكية شخصية، وأن المنصب ليس جواز سفر إلى عالم لا تُسمع فيه، إلا الأصوات التي تصفق.
المسؤولية هي أن تتقبل السؤال، حتى عندما يكون مزعجاً، وأن تسمع النقد، حتى عندما لا يكون موسيقى على الأذن.
وأن تفهم أن المواطن الذي يقول «لا» لا يكون بالضرورة ضدك، وأن الصحافي الذي يكتب ما لا يعجبك لا يتحول، بمجرد اختلافه معك، إلى خصم سياسي أو شخص يستحق وضعه في خانة «المزعجين».
بل أحياناً، وهذا هو المضحك في الأمر، قد يكون أكثر الناس إزعاجاً هو ذلك الذي يطرح السؤال، الذي لا يريد أحد الإجابة عنه!
وهنا بالضبط تكمن الحكاية.
فإذا كانت كل ملاحظة تعتبر استفزازاً، وكل سؤال يعتبر تشويشاً، وكل انتقاد يعتبر استهدافاً، فماذا بقي للصحافة، سوى أن تسأل:
هل المطلوب صحافة تراقب… أم صحافة تقول فقط ما يُراد لها أن تقول؟
نحن نعرف الجواب.
والقارئ يعرفه أيضاً.
أما عبارة:
«اللي باغي يدير علاش يمشي»
فنتركها معلقة قليلاً في الهواء…
لأنها، من الناحية اللغوية على الأقل، تفتح باباً واسعاً للتأويل!
فإذا كان كل من أراد أن يفعل شيئاً، عليه أن يمشي…
فمن سيبقى في المدينة ليسأل: إلى أين نمضي؟
وبما أنك تتابع «ضربة قلم» يومياً…
فهذه، في حد ذاتها، أخبار طيبة!
فليس كل يوم، نحصل على قارئ شديد المواظبة إلى هذه الدرجة.
نحن، إذن، أمام متابع وفيّ…
يتابع.
ويراقب.
ويقرأ.
وربما يسجل بعض الملاحظات أيضاً!
ولا مشكلة لدينا في ذلك إطلاقاً.
تابع.
اقرأ ما نكتب.
راقب ما ننشر.
واختلف معنا، إن شئت.
لكن هناك فرقاً بسيطاً:
نحن لا نكتب لإرضاء المسؤول، كما أننا لا نكتب لإغضابه.
لا نبحث عن معركة.
ولا نبحث عن خصومة.
ولا نوزع شهادات حسن السلوك.
نحن نكتب، لأن هناك مواطناً يريد أن يعرف.
ونسأل، لأن السؤال جزء من المهنة.
وننتقد، عندما نرى ما يستحق النقد.
ونقول كلمة طيبة، عندما نجد ما يستحقها.
ونقول «لا» عندما تكون «لا» هي الكلمة الأكثر صدقاً.
أما ساكنة المحمدية، فنترك لها الكلمة الأخيرة.
فهذه مدينة عاشت طويلاً بما يكفي لكي تميز بين الكلام والفعل، وبين الصورة والحقيقة، وبين من يتحدث أمام الكاميرا ومن يشتغل بعيداً عنها، وبين الشعبوية والواقع.
المواطن ليس بحاجة إلى وصاية، كي يعرف ماذا يرى.
ولا يحتاج إلى شخص يمسك هاتفاً، ويشرح له ماذا يجب أن يفكر.
فالناس لديها عيون.
ولديها آذان.
ولديها، وهذا هو الأهم، ذاكرة.
وبما أنك تتابعنا يومياً…
فلا بأس.
تابع.
فـ«ضربة قلم» لن تغير خطها لأن أحداً يتابعها.
ولن تكتب لكي ترضي أحداً.
ولن تكتب، لكي تستفز أحداً.
ستكتب فقط، ما تعتقد أنه يستحق أن يُكتب.
وإذا كان المقال، يصل إليك كل يوم…
فهذه ليست مشكلة «ضربة قلم»!
بل ربما تكون علامة على أن الكلام، عندما يُكتب بصدق، يجد دائماً طريقه إلى من يعنيه الأمر.
ولهذا…
لا تقلق بشأن المقال القادم.
سيصل إليك أيضاً.




