بنسليمان العطشى: حين تنزف الأرض سرّها الأخير

ضربة قلم
في أرض بنسليمان، حيث كانت السنابل تُصافح الريح وتغني الأودية بصوتها العذب، بدأ العطش يمد يده الخفية ليخنق الحقول والقلوب معًا. الإقليم الذي كُتب له أن يكون فلاحيًا بامتياز، صار اليوم مرآةً لوجعٍ يتسع: وجع الماء الذي ينسحب قطرة قطرة من باطن الأرض، كأن الفرشة المائية نفسها تعبت من الكتمان.
لم يعد المشهد سريًا، بل صار مكشوفًا للعين والقلب معًا: آبارٌ تُحفر في جنح الليل، وآلياتٌ تدور في وضح النهار بلا وجل، كأنها تشق صدر الأرض دون إذن ولا استئذان. بعض الفلاحين، في سباقٍ محموم مع الزمن، يفتشون عن الماء كما يفتش الغريق عن نفسٍ أخير، لكنهم بذلك يتركون جرحًا عميقًا في الجسد البيئي الهش.
أصوات الساكنة، والحقوقيين، وكل الغيورين على الحياة، تعلو كصرخة في وادٍ يزداد جفافًا: ماذا سيبقى لنا إن استمرت هذه الفوضى؟ من سيحمي الغد حين تُستنزف اليوم آخر القطرات؟ إن الماء ليس ملكًا لأحد، بل هو شريان حياةٍ للجميع، والأمن المائي ليس شعارًا يُرفع، بل مسؤولية مشتركة تُصان.
ومع ذلك، يظل المشهد مقلقًا: سلطات لم تُفعّل بعد ما يكفي من آليات الردع، ووكالة مائية لم تستطع أن تضع حدًا للعبث، ومنتخبون غاب عنهم واجب الحراسة والغيرة على الصالح العام. أما بعض أصحاب الضيعات، فقد اختاروا أن يسقوا حقولهم ولو على حساب عطش الجماعة كلها.
إن الاستنزاف العشوائي للمياه لا يهدد موسمًا زراعيًا عابرًا، بل يهدد الحياة نفسها في المدى القريب والبعيد. وما لم يوقف العقل جماح الطمع، فستصحو بنسليمان ذات يوم على أرض عطشى، بلا ماء، بلا خضرة، وبلا أمل.




