بنسليمان تدخل «الميركاتو السياسي».. الوجوه تتبدل، والقمصان الحزبية تتغير، والمقاعد الثلاثة تنتظر من سيحجزها!

ضربة قلم
في إقليم بنسليمان، يبدو أن الانتخابات التشريعية المقبلة، المقررة يوم 23 شتنبر، لم تعد مجرد موعد انتخابي ينتظر حلول الحملة الرسمية، بل تحولت منذ الآن إلى ما يشبه موسماً انتخابياً مبكراً، تتحرك فيه الكواليس، وتُطبخ الترشيحات، وتُقاس حظوظ المرشحين، فيما يراقب الناخبون هذا السباق السياسي، وربما يتساءل بعضهم: هل نحن أمام انتخابات أم أمام سوق انتقالات مفتوح؟
فاللافت في هذه الاستحقاقات أن حزب الاستقلال، يدخلها وهو يحمل على ظهره ما يشبه حصيلة سياسية ثقيلة داخل الإقليم. البداية كانت مع البرلماني الاستقلالي السابق محمد كريمين، الذي انتهى مساره البرلماني الطويل خلف القضبان، بعد إدانته في ملف مرتبط بتدبير أموال جماعة بوزنيقة التي ظل يرأسها لسنوات.
وبعد ذلك، جاء الدور على النائب مبارك عفيري، الذي قضى خمس ولايات على رأس جماعة المنصورية، قبل أن تنتهي تجربته بقرار قضائي بعزله من مهامه، على خلفية اختلالات وخروقات مالية وإدارية كشفتها التحقيقات المنجزة من طرف المفتشية العامة للإدارة الترابية.
وهكذا وجد حزب الاستقلال نفسه أمام وضعية سياسية لا تُحسد عليها: برلماني سابق في السجن، وبرلماني ورئيس جماعة سابق معزول، وحزب مطالب الآن بأن يقنع الناخبين بأن الصفحة قد طويت، وأن القادم سيكون مختلفاً. ولذلك لم يكن اختيار وزير الصناعة والتجارة رياض مزور لقيادة لائحة الحزب مجرد اختيار عادي، بل بدا أقرب إلى محاولة استقدام اسم وطني إلى دائرة تحتاج إلى أكثر من مجرد ملصق انتخابي وشعار حزبي.
في الجهة المقابلة، يمثل حزب التجمع الوطني للأحرار بـياسين عكاشة، رئيس فريقه النيابي خلال الولاية المنتهية ورئيس جماعة مالين الواد، في محاولة للحفاظ على مقعده البرلماني. أما حزب الأصالة والمعاصرة، فقد اختار كريم الزيادي، وهو اسم سبق أن مر من البرلمان، قبل أن يواصل رحلته السياسية، بين عدد من الأحزاب، في مشهد، يؤكد أن بعض السياسيين في المغرب أصبحوا يتعاملون مع الانتماء الحزبي أحياناً، كما يتعامل لاعب كرة القدم مع سوق الانتقالات: المهم أن يبقى الملعب مفتوحاً، وأن يجد اللاعب القميص المناسب في الوقت المناسب!
أما حزب العدالة والتنمية، فيراهن على محمد بنجلول، البرلماني السابق، أملاً في استعادة مقعده داخل الدائرة، فيما اختار حزب التقدم والاشتراكية البرلماني أحمد الداهي، الذي يخوض هذه المرة الانتخابات، باسم حزب مختلف عن الحزب الذي دخل من خلاله البرلمان خلال الولاية الحالية.
وهنا بالضبط تبدأ الحكاية في أخذ منحى أكثر إثارة؛ فبنسليمان تبدو وكأنها أصبحت مختبراً صغيراً لظاهرة تبديل العناوين السياسية. مرشح ينتقل من حزب إلى آخر، وبرلماني يعود بعد غياب، وآخر يغير القميص، وحزب يبحث عن استعادة مقعد، فيما الناخب وحده مطالب بأن يتذكر: من كان هنا؟ ومن ذهب إلى هناك؟ ومن عاد؟ ومن سيعود غداً بقميص جديد؟
أما الاتحاد الاشتراكي، فما زال لم يحسم مرشحه بشكل نهائي، في وقت يتجه فيه حزب الحركة الشعبية إلى ترشيح بوعزة الزاكي، وسط نقاش قانوني وتنظيمي حول وضعية انتقاله الحزبي، في انتظار الحسم النهائي في تزكيته.
والحقيقة أن دائرة بنسليمان، عرفت خلال الولاية التشريعية المنتهية واحدة من أكثر التحولات السياسية إثارة. فقد بدأت بثلاثة برلمانيين يمثلون أحزاباً مختلفة، قبل أن تتغير الخريطة بسبب فقدان أحدهم لمقعده، وتجريد آخر من عضويته، ثم تنظيم انتخابات جزئية انتهت بعودة اسم جديد إلى البرلمان.
وبذلك، فإن الانتخابات المقبلة، لن تكون مجرد معركة بين الأحزاب، بل ستكون أيضاً معركة ذاكرة سياسية: من سيتذكر الناخبون؟ ومن سيحاسبون؟ ومن سيمنحونه فرصة جديدة؟ ومن سيقولون له، بكل بساطة: شكراً على الخدمات، لكن هذه المرة سنجرب شخصاً آخر؟
المؤكد أن دائرة بنسليمان تتجه نحو واحدة من أكثر المنافسات سخونة، بالنظر إلى حضور وزير حكومي، ورئيس فريق نيابي، وبرلمانيين حاليين وسابقين، ووجوه سياسية، راكمت تجارب مختلفة داخل أكثر من حزب.
لكن المفاجأة الحقيقية، قد لا تكون في أسماء المرشحين، فقد أصبحت معروفة تقريباً، وإنما في النتائج. فهذه الولاية الانتخابية مرشحة، بلا شك، لأن تحمل مفاجآت كبيرة في الساعات الأخيرة، وقد تنتهي إلى قلب كثير من الحسابات التي تبدو اليوم محسومة في الكواليس.
ففي الانتخابات، كما يعرف الجميع، لا يفوز دائماً من يملك الاسم الأكبر، ولا من يرفع الشعار الأعلى، ولا من يملك أطول سيرة حزبية… وأحياناً لا يفوز حتى من يعتقد، أنه فاز قبل أن تبدأ الحملة!
وفي بنسليمان تحديداً، قد يكون الدرس الأهم هو أن المقاعد الثلاثة لا تزال شاغرة سياسياً، وأن الناخبين وحدهم يملكون مفاتيحها. أما الأحزاب والمرشحون، فليس أمامهم سوى الانتظار… ومحاولة إقناع الناخب بأن تغيير القميص، لا يعني بالضرورة تغيير اللاعب، وأن المهم، في النهاية، هو ماذا سيقدم فوق أرضية الملعب السياسي.
وبنسليمان، يبدو أن صافرة البداية لم تُطلق بعد… لكن بعض اللاعبين بدأوا بالفعل في الاحتفال!




