بنسليمان.. منتخبون بين العزل والمحاكم و”السياحة الحزبية” ومزبلة التاريخ

ضربة قلم
مما لا شك فيه أن حزب الاستقلال كان، إلى وقت قريب، يعيش في إقليم بنسليمان على أمجاد زمن سياسي يشبه إلى حد بعيد أفلام الأبيض والأسود، حيث كانت الجماعات تُفتح له أبوابها، كما تُفتح أبواب الزوايا لأصحاب “البركة الانتخابية”، فاستحوذ الحزب على أهم الجماعات التابعة لنفوذ العمالة، من بوزنيقة إلى بنسليمان ثم المنصورية، وكأن الإقليم قد كُتب في الرسم العقاري باسم “الميزان” لا باسم الدولة المغربية.
لكن، ويا للمفارقة الساخرة، فإن السياسة في المغرب لا تؤمن بالوفاء، بل تؤمن بمنطق “الترحال المبارك”، وهو الترحال الذي لا علاقة له بالهجرة السرية ولا بالسياحة الجبلية، بل هو نوع من الرياضة السياسية التي يتقنها بعض المنتخبين الذين يغيرون الأحزاب، أكثر مما يغير المواطن البسيط مصابيح منزله المحترقة. وهنا يبرز اسم رئيس جماعة المنصورية وأحد نواب الإقليم في البرلمان، الذي يبدو أنه يمتلك حاسة شم سياسية خارقة، تجعله يستشعر رائحة الحزب الأقرب إلى “الدفء الانتخابي” قبل أن يشعر بها حتى الأمناء العامون أنفسهم.
واليوم، وبعد أن تحول إقليم بنسليمان إلى ما يشبه مسلسلًا تركيًا طويل الحلقات، مليئا بالمفاجآت القضائية والتقارير السوداء والفضائح الإدارية، وجد الرأي العام نفسه أمام مشهد عبثي يصعب فهمه، دون تناول جرعة قوية من الصبر وربما “النعناع”.
فمحمد كريمين، أحد أبرز برلمانيي الإقليم، يقبع حاليا في سجن عكاشة، يقضي عقوبة حبسية بسبب ملفات تتعلق بتبديد واختلاس أموال عمومية، وهي تهم ثقيلة تجعل المواطن البسيط يتساءل بحسرة: هل نحن فعلا أمام منتخبين، كانوا يسيرون الشأن العام أم أمام مدراء شركة خاصة اسمها “كيف تحول المال العام إلى قضية جنائية في ثلاث خطوات”؟
وإذا كان كريمين قد دخل من باب السجن، فإن مبارك عفيري دخل من باب المحكمة الإدارية، حيث أصدرت المحكمة قرارها رقم 4168 بعزله من عضوية ورئاسة مجلس جماعة المنصورية، مع ما يترتب عن ذلك قانونا، وشمول الحكم بالنفاذ المعجل، وكأن القضاء يقول للرجل: “شكرا على المشاركة… انتهت اللعبة”.
وجاءت هذه المحاكمة بعد إحالة ملفه من طرف عامل إقليم بنسليمان، عقب تقارير المفتشية العامة التي يبدو أنها عندما حلت بالجماعة، لم تجد فقط اختلالات عادية، بل ربما احتاج أعضاؤها إلى خرائط وأجهزة رصد، لفهم حجم الفوضى التي كانت تُدار بها بعض الملفات.
تقارير تحدثت عن خروقات واختلالات بالجملة، جعلت وزارة الداخلية تتحرك، ليتم توقيف الرئيس عن ممارسة مهامه وإحالة ملف عزله على المحكمة الإدارية بالدار البيضاء. وهنا تبدأ الكوميديا السياسية المغربية في أبهى تجلياتها، لأن المواطن المغربي أصبح يعيش وضعا عجيبا: يستيقظ صباحا على خبر اعتقال منتخب، ويتناول غداءه على خبر عزل رئيس جماعة، ثم ينام ليلا على إشاعة ترشح الشخص نفسه للانتخابات المقبلة!
وهنا يبرز السؤال الكبير الذي يتردد في المقاهي والشوارع وصفحات التواصل الاجتماعي بإقليم بنسليمان: هل القانون المغربي موحد فعلا؟ أم أن هناك نسخة “أصلية” تطبق على المواطن البسيط الذي قد يُتابع، لأنه لم يؤد فاتورة الماء، ونسخة “VIP” خاصة ببعض المنتخبين الذين يستطيعون خوض الانتخابات، حتى وإن كانوا خارجين للتو من المحكمة أو في طريقهم إليها؟
فالرأي العام لم يعد يفهم شيئا. كيف يمكن لمسؤول تحاصره التقارير والاختلالات وقرارات العزل أن يظل اسمه متداولا كمرشح محتمل للانتخابات المقبلة؟ وهل أصبحت التجربة السياسية في بعض المناطق قائمة على مبدأ: “كلما كثرت المتابعات زادت الشعبية”؟
ثم إن المواطن البسيط، الذي يُطلب منه احترام القانون في كل صغيرة وكبيرة، أصبح يتساءل بمرارة: هل المناصب الانتخابية في المغرب تحتاج إلى الكفاءة والنزاهة، أم إلى قدرة خارقة على النجاة من الفضائح؟ وهل صار المنتخب الناجح هو الذي يعرف كيف يخرج من كل أزمة ببدلة جديدة وحزب جديد وشعار جديد؟
الأدهى من ذلك أن بعض الوجوه السياسية، أصبحت تتعامل مع الأحزاب، كما يتعامل الأطفال مع القمصان الرياضية، يغيرون الألوان حسب الموسم الانتخابي، بينما يبقى المواطن المسكين وفيا فقط لشيء واحد: الانتظار… انتظار وعود لا تتحقق، ومشاريع لا تكتمل، وحملات انتخابية لا تنتهي.
لقد تحولت السياسة عند البعض إلى مسرحية هزلية طويلة، يدخل فيها المنتخب بطلا شعبيا، ثم يخرج منها إما معزولا أو متهما أو معتقلا، بينما يبقى المواطن يؤدي ثمن التذاكر من جيبه، ومن أعصابه، ومن ثقته التي أصبحت عملة نادرة.
وفي خضم كل هذا، يبقى السؤال المؤلم معلقا في سماء بنسليمان: هل ستتم فعلا محاسبة كل من ثبت تورطه في تبديد المال العام؟ أم أن الأمر سينتهي كعادته ببعض الضجيج الإعلامي، ثم يعود الجميع إلى مواقعهم، مع اقتراب موسم الانتخابات، وكأن شيئا لم يكن؟
أما المواطن، فقد أصبح يدرك أن بعض المنتخبين لا يسقطون سياسيا مهما حدث، لأنهم ببساطة يمتلكون مهارة خارقة في “إعادة التدوير السياسي”، وهي مهارة مغربية خالصة، تستحق ربما أن تُدرّس في الجامعات تحت عنوان: “كيف تبقى منتخبا رغم كل شيء”.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، يبقى الشارع البنسليماني يراقب المشهد بكثير من السخرية السوداء، لأن الضحك، في النهاية، أصبح الوسيلة الوحيدة، التي تمكن المواطن من تحمل هذا العبث السياسي المستمر.




