بنكيران يفجّر قنبلة في عيد العمال: اتهامات صريحة لنقابات بـ«البيع والشراء» ومعطيات خطيرة عن فساد ممنهج داخل الجسم النقابي!

ضربة قلم
تصريحات عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المغربية السابق، اليوم خلال احتفالات فاتح ماي 2025، تنطوي على اتهامات مباشرة وغير مسبوقة تمس شرعية العمل النقابي واستقلاليته، وتشكل منعطفاً خطيراً في العلاقة بين الفاعلين السياسيين والنقابيين في المغرب.
أولاً: دلالات التصريح
- اتهام بالارتزاق والفساد المالي
حينما يقول بنكيران بصيغة لا لبس فيها: “كاين فلوس تاتمشي للجيب، ولي كذبني يمشي لدار شي حد في مسؤولي هاد النقابات”, فنحن أمام تصريح من الوزن الثقيل لا يصدر عن معلق سياسي أو مواطن غاضب، بل عن رئيس حكومة سابق يفترض أنه اطلع على تقارير وأسرار الدولة. هذا التصريح يتهم بشكل غير مباشر بعض القيادات النقابية بقبض الرشاوى، أي أننا بصدد شبهات جرائم مالية وإدارية جسيمة.
-
ضرب شرعية الحقل النقابي
بنكيران لا ينتقد ممارسات معزولة، بل يوجه إدانة صريحة إلى نقابات كجسم مؤسساتي، إذ يقول: “هناك نقابات مرتزقة”، مميزاً بين نقابته (الذراع النقابي للعدالة والتنمية) و”النقابات الأخرى”، دون تسميتها، لكنه أشار ضمناً إلى الاتحاد المغربي للشغل وقياداته، وعلى رأسهم الميلودي موخاريق، ما يجعل هذه التصريحات قابلة للتكييف القانوني..
-
تشكيك في النضال النقابي
حينما يُتهم النقابي بـ”البيع والشراء”، فذلك يُلغي منطق الاحتجاج والإضراب والتفاوض، ويحوّل كل حراك عمالي إلى مجرد تمثيلية تدار في الكواليس مقابل المال. بنكيران يقول بوضوح: “واحد الصكع، كان همه يدير غير الإضراب في فاس، وها هو خارج المغرب معرفناش حتى فين مشى”. وكأنه يلمّح إلى أن بعض الإضرابات كانت مدفوعة الأجر أو مسيسة بشكل خفي.
ثانيًا: ما الذي كان سيحدث في دولة مؤسسات حقيقية؟
- فتح تحقيق قضائي
في بلد تسود فيه المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، كانت النيابة العامة ستفتح تلقائياً تحقيقاً في هذه التصريحات لكونها:
- تشير إلى جرائم فساد مالي مفترضة.
- تصدر عن مسؤول سابق مطلع على أسرار الدولة.
- تمس مصداقية مؤسسة دستورية وهي النقابات.
- دعوة البرلمان للاستماع إلى بنكيران
كان يمكن للجنة العدل والتشريع أو لجنة الشؤون الاجتماعية في البرلمان أن تستدعي بنكيران بصفة طارئة، لسؤاله عن معطياته، أو على الأقل لفهم السياق الذي دفعه لإطلاق هذه التصريحات الخطيرة.
- مطالبة النقابات بإنصافها
في الدول التي تحترم المؤسسات، لا تمر مثل هذه الاتهامات دون أن ترد النقابات ببلاغات قانونية، ترفع دعاوى تشهير وقذف، وتطالب بالتحقيق، ليس فقط من باب الدفاع عن السمعة، بل من أجل كشف الحقيقة أمام الرأي العام.
ثالثًا: قراءة في التوقيت والسياق
-
فاتح ماي.. منصة لكشف المستور
بدل أن تكون مناسبة لتكرار الشعارات التقليدية وتكريم النضال العمالي كما جرت العادة، اختار عبد الإله بنكيران أن يحوّل عيد العمال إلى لحظة تعرية غير مسبوقة لما ظلّ مستترًا طيلة سنوات من احتفالات فاتح ماي. بكلمات صادمة واتهامات مباشرة، أزاح الرجل الستار عن ممارسات قال إنها تضرب مصداقية بعض النقابات في العمق، موجهًا سهامه نحو من يتهمهم بالمتاجرة بقضايا العمال، في خطوة أعادت رسم مشهد فاتح ماي من منصة احتفالية إلى مسرح مواجهة مفتوحة.
- تموقع سياسي جديد للبيجيدي
من الواضح أن العدالة والتنمية، بعد تراجع شعبيته في الانتخابات، يحاول أن يعيد ترميم صورته كمدافع عن الشعب والطبقة العاملة، عبر مهاجمة خصومه السياسيين والنقابيين وشيطنتهم، وتقديم نفسه (من خلال نقابته) كـ”الطاهر الشريف” الوحيد وسط بحر من المرتزقة.
- تحريك الملف الفلسطيني كوقود تعبئة
ربط بنكيران في كلمته بين فلسطين والنضال النقابي، واستحضاره لشعار جمهور الرجاء، فيه محاولة لإثارة العاطفة الجماهيرية وتوجيه الانتباه إلى قضايا ذات طابع وجداني ديني قومي، حين يشتد الهجوم عليه داخلياً. وهذا تكتيك معروف في الخطاب الشعبوي: الهروب إلى الخارج حين تضيق بك الساحة الداخلية.
رابعًا: حين تسقط الأقنعة.. أين الدولة من اتهامات خطيرة؟
إن أخطر ما في تصريحات من هذا النوع، أنها لا تصدر عن معلق هاوٍ أو ناشط على مواقع التواصل، بل عن رئيس حكومة سابق، ما يمنحها وزنًا سياسيا وأخلاقيًا يستوجب التوقف لا عند مضمونها فقط، بل عند ما تكشفه من أعطاب عميقة داخل الجسم النقابي. فإذا كانت هناك نقابات فعلاً تورّطت في المتاجرة بقضايا العمال والارتشاء والتواطؤ مع الحكومات ضد مصالح الشغيلة، فإن الأمر لا يحتمل التساهل، بل يتطلب فتح تحقيق نزيه وشامل يضع كل المتورطين أمام القانون.
فالصمت عن هذه الاتهامات الخطيرة، أو التعامل معها كزوبعة خطابية عابرة، يعني شيئًا واحدًا: التستر على “مافيا اجتماعية” ترتدي قناع الدفاع عن العمال، بينما تمارس الابتزاز السياسي والمالي باسمهم.
ولا يمكن للوطن أن يُبنى على ظهر “النقابي المرتزق” ولا العامل المخدوع. يجب أن نضع حدًا لحالة الإفلات من العقاب، وأن:
-
يُفتح تحقيق قضائي عاجل في ما ذُكر من وقائع.
-
يُستدعى المعنيون لتقديم توضيحات رسمية.
-
تُعرض نتائج التحقيق أمام الرأي العام، دفاعًا عن شرف العمل النقابي الحقيقي.
-
خامسًا: ما بعد التصريحات.. هل نملك الجرأة لمواجهة الفساد النقابي؟
إذا صحّت هذه الاتهامات، فنحن أمام ملف فساد يستدعي تحركًا عاجلاً من الجهات القضائية ومؤسسات الرقابة، لأن المتاجرة في قضايا العمال ليست مجرد انحراف، بل خيانة اجتماعية موصوفة. وإنّ استمرار هذه الممارسات في الظل هو ما يُفقد الثقة في النقابات، ويُحولها من صوت للطبقة الشغيلة إلى أداة تفاوض باسم الخيانة.
وإذا كانت بعض النقابات قد تحوّلت إلى “شركات خدمات سياسية”، همّها الأول البحث عن الامتيازات، فالأجدر بنا إعادة هيكلة المشهد النقابي برمته، ومساءلة كل من جمع بين الخطاب النضالي والمصالح الشخصية.
المرحلة اليوم تتطلب:
-
غربلة حقيقية للمشهد النقابي، لا مجاملات.
-
حماية الشغيلة من المتاجرة باسمهم.
-
وتجديد الثقة في النقابات النزيهة التي لا تبيع ولا تشتري.




