بني ملال.. الرقم الأخضر يطيح بطبيب وممرض وحارسي أمن خاص في قضية رشوة

ضربة قلم
في واقعة جديدة، تعيد إلى الواجهة ملف محاربة الرشوة داخل المرافق العمومية، اهتزت مدينة بني ملال على وقع توقيف طبيب وممرض مساعد، إلى جانب حارسي أمن خاص، يعملون بالمستشفى الجهوي، وذلك للاشتباه في تورطهم في قضية تتعلق بطلب وتسلم مبلغ مالي، مقابل تقديم خدمة، يفترض أن تكون مؤطرة بالقانون ومضمونة لجميع المواطنين، دون أي مقابل غير مشروع.
وبحسب المعطيات الأولية المتداولة، فإن القضية انطلقت بعد أن قرر أحد المواطنين كسر حاجز الصمت، حيث لجأ إلى الرقم الأخضر المخصص للتبليغ عن جرائم الرشوة والفساد، مؤكدا أنه تعرض للمطالبة بمبلغ مالي مقابل تسليمه شهادة طبية.
هذه الشكاية لم تبق حبيسة الهاتف، بل تحركت بسرعة عبر القنوات القانونية، إذ أعطت النيابة العامة المختصة، تعليماتها لعناصر الشرطة القضائية من أجل مباشرة الأبحاث والتحريات اللازمة، للتأكد من صحة المعطيات الواردة في التبليغ.
ووفق المصادر ذاتها، فقد تم إعداد خطة محكمة بتنسيق مع النيابة العامة، انتهت بضبط المشتبه فيهم في حالة تلبس أثناء تسلم مبلغ مالي يقدر بألف درهم، وهو ما مهد لتوقيف الطبيب والممرض المساعد، بالإضافة إلى حارسي أمن خاص، قبل اقتيادهم إلى مقر الشرطة من أجل تعميق البحث والكشف عن جميع ظروف وملابسات القضية، ومعرفة ما إذا كانت الواقعة معزولة، أم أنها تندرج ضمن ممارسات متكررة، قد تكون شملت ضحايا آخرين.
وتم وضع الموقوفين رهن تدابير البحث القضائي، تحت إشراف النيابة العامة المختصة، في انتظار استكمال مختلف الإجراءات القانونية وعرضهم على العدالة، مع التأكيد على أن جميع المشتبه فيهم، يتمتعون بقرينة البراءة إلى أن يصدر في حقهم حكم قضائي نهائي.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة واحدة من أكثر الظواهر التي تؤرق المواطنين، وهي الرشوة داخل بعض الإدارات والمرافق العمومية، وخاصة تلك التي يرتبط فيها المواطن بظروف اجتماعية أو صحية صعبة، حيث يصبح في حاجة ماسة إلى وثيقة أو خدمة لا تحتمل التأخير، وهو ما قد يدفع بعض ضعاف النفوس إلى استغلال هذا الوضع لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
ولعل ما يمنح هذه القضية بعدا خاصا، هو أنها تتعلق بقطاع الصحة، الذي يفترض أن يقوم على مبادئ الإنسانية والمساواة وتقديم العلاج والخدمات وفق القانون، بعيدا عن أي تمييز أو ابتزاز. فالمريض أو المرتفق عندما يلج باب المستشفى يكون غالبا في وضع نفسي وجسدي صعب، ويبحث عن العلاج والطمأنينة، لا عن مساومات مالية أو عراقيل غير قانونية.
وفي المقابل، يرى متتبعون أن مثل هذه القضايا، لا ينبغي أن تحجب الصورة الحقيقية لآلاف الأطباء والممرضين والأطر الصحية، الذين يؤدون واجبهم المهني بتفان ونزاهة، ويشتغلون في ظروف صعبة وإمكانيات محدودة، لأن المسؤولية الجنائية تظل شخصية، ولا يجوز تعميمها على جميع العاملين في القطاع.
كما تؤكد هذه العملية مرة أخرى فعالية الرقم الأخضر للتبليغ عن الرشوة، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة وسيلة عملية مكنت من الإطاحة بعدد من المتورطين في قضايا مماثلة، بعدما شجع المواطنين على التبليغ، بدل الاستسلام للابتزاز أو اعتبار الرشوة أمرا واقعا، لا يمكن مقاومته.
ويبقى الرهان الحقيقي، حسب عدد من المتابعين، هو الانتقال من معالجة الحالات الفردية إلى تجفيف منابع الرشوة عبر تعزيز الرقابة، وتبسيط المساطر الإدارية، واعتماد الرقمنة، وتشديد آليات المراقبة داخل المرافق العمومية، بما يضمن حماية المرتفقين وصيانة كرامتهم، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه نتائج البحث القضائي، تبقى هذه القضية رسالة واضحة، مفادها أن التبليغ عن الرشوة، لم يعد بلا جدوى، وأن القانون قادر على الوصول إلى كل من يثبت تورطه في استغلال وظيفته أو موقعه لتحقيق منافع شخصية خارج إطار القانون، مع احترام الضمانات القانونية وقرينة البراءة التي يكفلها الدستور والقانون لجميع الأطراف.




