الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

بني ملال… المدينة التي كلما فتحت نافذة دخلت منها أزمة!

ضربة قلم

قد يختلف الناس حول أجمل مدن المغرب، أو حول أكثرها هدوءا، أو حتى أكثرها جاذبية للاستثمار، لكن قلّما يختلف اثنان على أن بني ملال أصبحت، منذ سنوات، مدينة تلاحقها الأزمات، كما يلاحق الظل صاحبه. وكأن هذه المدينة الجميلة الواقعة عند سفوح الأطلس المتوسط، والمجاورة لأغنى الأراضي الفلاحية وأكثرها خصوبة، كتب عليها أن تعيش بين مطر يربكها، وشمس ترهقها، وملفات فساد تطاردها.

مدينة منحها الله الماء والخضرة والطبيعة الخلابة، لكن الإنسان، لم يحسن دائما تدبير هذه النعم.

وإذا كانت جهات كثيرة تتمنى أن تحظى بجزء مما أنعم الله به على هذه المنطقة، فإن جهة بني ملال–خنيفرة تبدو وكأنها ولدت وفي يدها كل مقومات الإقلاع. فمن عيون أم الربيع، إحدى أجمل المنابع الطبيعية بالمغرب، التي تنبثق من قلب الأطلس المتوسط بين أزرو وخنيفرة، وتتدفق منها مياه تشكل شريانًا حيويًا يغذي واحدًا من أهم أنهار المملكة، إلى عين أسردون التي أصبحت رمزًا لمدينة بني ملال، مرورًا بـشلالات أوزود التي تستقطب آلاف الزوار سنويًا، وسد بين الويدان، والغابات والمرتفعات والسهول الخصبة، تبدو الجهة وكأنها متحف طبيعي مفتوح. إنها منطقة اجتمعت فيها المياه والغابات والجبال والفلاحة والسياحة في لوحة واحدة، حتى قيل إنها من أغنى جهات المغرب من حيث المؤهلات الطبيعية.

ففي الشتاء، تكاد أولى التساقطات المطرية، تتحول إلى اختبار حقيقي للبنية التحتية. أحياء تغرق، وطرقات تتحول إلى برك مائية، وسيول تعزل دواوير بكاملها في إقليم بني ملال، كما هو الحال في أزيلال، وخنيفرة، وبعض مناطق الفقيه بن صالح. وتصبح معاناة التنقل جزءا من الحياة اليومية، وكأن فصل الشتاء، ضيف ثقيل يأتي كل سنة دون موعد، رغم أنه لا يغيب عن التقويم أبدا.

وإذا انقضى الشتاء، فلا يظن أحد أن المعاناة انتهت.

بل تبدأ حكاية أخرى مع الصيف.

فدرجات الحرارة في بني ملال والمناطق المجاورة، تقفز إلى مستويات قياسية، لتصبح المدينة من أكثر مناطق المغرب حرارة. تتجاوز الأربعين درجة في كثير من الأيام، وتتحول الشوارع إلى أفران مفتوحة، فيما يفر السكان نحو منابع عين أسردون، أو شلالات أوزود، أو المرتفعات الجبلية هربا من لهيب الإسفلت.

وكأن قدر هذه الجهة أن تنتقل من الغرق في الشتاء إلى الاحتراق في الصيف، دون أن تمنحها الطبيعة فرصة لالتقاط الأنفاس.

لكن حرارة الطقس ليست وحدها ما يرهق المنطقة.

فهناك حرارة أخرى… أشد إيلاما.

حرارة الملفات الثقيلة.

فكلما اعتقد الناس أن بني ملال ستتصدر الأخبار بمشاريع تنموية أو استثمارات جديدة، أو إنجازات اقتصادية، وجدوا أنفسهم أمام عناوين مختلفة تماما.

مرة قضية رشوة.

ومرة اختلاس.

ومرة تبديد أموال عمومية.

ومرة شبكات تستغل النفوذ.

وكأن الأخبار السعيدة أصبحت هي الاستثناء، بينما تحولت الملفات القضائية إلى عادة موسمية.

آخر هذه الملفات، ما أصدرت بشأنه غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، التي أدانت أخيرا 37 عنصرا من الدرك الملكي ينتمون إلى رتب ووحدات مختلفة بإقليم بني ملال، بعد متابعتهم في قضية تتعلق، وفق الأحكام الصادرة، بالرشوة والابتزاز، مقابل توفير الحماية لأحد أبرز المتورطين في الاتجار بالمخدرات.

ولأن المصائب، كما يقال، لا تأتي فرادى، فإن ملفا آخر لا يزال يشد الأنظار، يتعلق بالبرلماني السابق والرئيس الأسبق لجماعة بني ملال أحمد شدا، حيث قررت المحكمة، تأجيل النظر في القضية إلى غاية التاسع من يوليوز المقبل، من أجل استدعاء متهمين آخرين، واستكمال الإجراءات القانونية، في إطار احترام ضمانات المحاكمة العادلة.

وغير بعيد عن بني ملال، وفي الجهة نفسها، صدر حكم ابتدائي في الملف الذي يتابع فيه الوزير والرئيس السابق لجماعة الفقيه بن صالح محمد مبديع، حيث أدانته غرفة الجنايات المختصة بجرائم الأموال بالسجن النافذ، إلى جانب متهمين آخرين، في قضية مرتبطة بشبهات تبديد أموال عمومية.

وليس الهدف هنا إصدار أحكام موازية، لما يقوله القضاء، فالقضاء وحده صاحب الكلمة الفصل، كما أن الأحكام تمر بمراحل التقاضي التي يكفلها القانون. لكن كثرة هذه الملفات تفرض سؤالا مشروعا:

لماذا أصبحت هذه الجهة حاضرة في الأخبار أكثر بملفات المحاكم، وأقل بمشاريع التنمية؟

السؤال لا يتعلق بمدينة بني ملال وحدها، بل بجهة كاملة، تمتلك كل مقومات النجاح.

فهذه المنطقة تعتبر خزانا فلاحيا مهما للمملكة، وتنتج نسبة كبيرة من الحوامض والزيتون والرمان والشمندر السكري والحليب، وتتوفر على موارد مائية مهمة، بفضل سد بين الويدان وسد أحمد الحنصالي، كما تزخر بمؤهلات سياحية استثنائية، من عين أسردون إلى شلالات أوزود، ومن جبال الأطلس إلى المغارات والغابات والمنتزهات الطبيعية.

ورغم ذلك، لا تزال تعاني من تحديات اجتماعية واقتصادية متراكمة.

فالهجرة نحو المدن الكبرى مستمرة.

والبطالة بين الشباب تؤرق الأسر.

والاستثمار الصناعي لا يواكب الإمكانات المتوفرة.

والعالم القروي ما زال ينتظر فك العزلة عن عدد من الدواوير، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير البنيات الأساسية.

وكأن الجهة تمتلك كل مقومات الإقلاع، لكنها لا تزال تبحث عمن يمثل سكانها أحسن تمثيل.

ولا يخفى أن موقع بني ملال، باعتبارها حلقة وصل بين الشمال والجنوب، وبين السهول والأطلس، كان يفترض أن يجعلها قطبا اقتصاديا ولوجستيا أكبر مما هي عليه اليوم.

لكن التنمية لا تُبنى بالموارد الطبيعية وحدها.

بل تُبنى أيضا بالحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحسن تدبير المال العام، ومحاربة كل أشكال الفساد، لأن المستثمر يبحث أولا عن الثقة قبل أن يبحث عن الأرض، والسائح يبحث عن الخدمات، قبل أن يبحث عن المناظر، والمواطن يبحث عن الكرامة قبل أي شيء آخر.

ويبقى الأمل قائما في أن تستعيد هذه الجهة مكانتها بما يليق بإمكاناتها، وأن تصبح أخبارها مرتبطة بالمشاريع الكبرى، والاستثمارات، والجامعات، والمقاولات، والسياحة، والفلاحة الحديثة، بدل أن تتكرر أسماؤها في ملفات قضائية، تستأثر باهتمام الرأي العام.

فبني ملال لا تستحق أن تُعرف فقط بحر الصيف، ولا بسيول الشتاء، ولا بأروقة المحاكم.

إنها تستحق أن تُعرف بما تملكه من ثروات، وما يملكه أبناؤها من كفاءات، وبما يمكن أن تصبح عليه، إذا انتصرت الحكامة على العبث، والتنمية على الفساد، والمصلحة العامة على المصالح الضيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.