الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

بني ملال تغرق.. تغرق

ضربة قلم

لم تكن الأمطار الأخيرة في بني ملال، مجرد تساقطات موسمية عابرة، بل تحوّلت في ظرف ساعات إلى اختبار قاسٍ للبنية الحضرية للمدينة، اختبار سرعان، ما كشف هشاشتها، وفضح أعطابًا، ظلت مختبئة تحت الإسفلت، في انتظار أول زخّات جدية لتطفو إلى السطح.

مع أولى التساقطات، بدأت الشوارع الرئيسية، والأزقة الداخلية، تفقد ملامحها المعتادة، وتتحول تدريجيًا إلى مسطحات مائية مفتوحة، لا فرق فيها بين طريق للسيارات وممر للراجلين. مياه موحلة، جارية بلا اتجاه واضح، اجتاحت الأحياء، وحاصرت المنازل، وأربكت حركة السير، حتى بدا المشهد، وكأن المدينة تبدّل جلدها فجأة من حاضرة وسطى إلى مسبح كبير بلا منقذ.

في عدد من النقاط، لم يعد بالإمكان التمييز بين الحفر وقنوات الصرف، ولا بين الرصيف والطريق، فالماء غطّى كل شيء، حاملاً معه بقايا الأتربة، والأوساخ، ومخلّفات طالما استقرت في البالوعات المغلقة، أو شبه المغلقة. سيارات توقفت في منتصف الطريق، دراجات عالقة، ومواطنون يحاولون العبور بحذر، وكأنهم يمارسون رياضة المشي في بحر غير متوقع.

هذا المشهد لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة: قنوات صرف غير قادرة على الاستيعاب، أشغال طرق لم تراعِ تصريف المياه، وأحياء توسعت عمرانيًا دون أن يواكبها تأهيل حقيقي للبنية التحتية. الأمطار لم تُغرق بني ملال، بقدر ما كشفت ما كان غارقًا أصلًا تحت منطق الترقيع والتأجيل.

الأكثر إيلامًا في الصورة، أن هذه الوضعية، باتت تتكرر مع كل موسم مطري، بنفس السيناريو تقريبًا، وبنفس الوعود المؤجلة. تُغمر الشوارع، يُستدعى التدخل الاستعجالي، تُلتقط الصور، ثم تعود الأمور إلى حالها بمجرد أن تجف الأرض، وكأن المدينة مطالَبة بالنسيان السريع، لا بالمحاسبة أو المعالجة الجذرية.

بني ملال، وهي مدينة تطمح إلى موقع أفضل ضمن خريطة المدن الصاعدة، وجدت نفسها في مواجهة سؤال بسيط، لكنه مُحرج: كيف يمكن لمدينة في قلب المغرب أن تعجز عن استيعاب أمطار موسمية معروفة؟ كيف تتحول نعمة المطر إلى عبء يومي على المواطن، بدل أن تكون مؤشرًا على جاهزية المرافق وقدرتها على الصمود؟

ما حدث ليس كارثة طبيعية، بل نتيجة طبيعية لاختيارات حضرية محدودة الأفق، حيث يُصرف الجهد على المظاهر، بينما تُهمَل الأساسات. فالمدينة التي لا تستثمر في قنواتها، وفي تخطيطها، وفي صيانة بنيتها التحتية، ستظل كل شتاء أمام المشهد نفسه: شوارع غارقة، وسكان يتساءلون، وواقع يفضح الخطاب.

لقد غَرِقت بني ملال، نعم…
لكن الأهم من الغرق بالماء، هو الغرق في التأجيل، وفي غياب رؤية حضرية تحترم المدينة وساكنتها. فالأمطار ستمرّ، كما مرت سابقاتها، غير أن السؤال سيبقى معلقًا:
هل تتعلّم المدينة من مياهها، أم تكتفي كل مرة، بتجفيف الإسفلت وانتظار الغيث القادم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.