الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعالشأن المحلي

بورصة النسب: حين يتحول التسيير المحلي إلى تجارة مقنعة

ضربة قلم

في ردهات بعض الجماعات الترابية، لم تعد القرارات تُصاغ بروح المصلحة العامة، بل تحولت إلى لوحات حسابية دقيقة: كم في المائة لي، وكم في المائة لك؟ هكذا يُدار الشأن المحلي في بعض المناطق، حيث صار الحديث عن “تضارب المصالح” أشبه بذكر اسم قديم في سجل قديم، بينما الواقع أكبر وأخطر بكثير.

مكاتب الدراسات: الحيلة الأنيقة

يُفترض أن تكون مكاتب الدراسات بيت الخبرة الذي يوجه المسؤولين نحو قرارات صائبة. لكن المفارقة أن بعض هذه المكاتب تحولت إلى مجرد أداة لتضخيم الفواتير وصياغة تقارير تُنسخ أحيانًا من الإنترنت أو تُكتب على عجل، دون أن تحمل أي قيمة مضافة.
المثير هنا أن هذه المكاتب لا تصل عادة إلى صفقات الجماعات بالصدفة؛ بل تمر عبر “جسر سري” يربطها برؤساء أو منتخبين لهم اليد الطولى. والآلية بسيطة: نسبة مائوية مضمونة مقابل فتح أبواب الصفقات.

الشركات بأسماء مقربين: الواجهة المريحة

الأمر لا يتوقف عند مكاتب الدراسات. بل الأكثر دهاء أن بعض الرؤساء يؤسسون شركات ومقاولات بأسماء مقربين: ابن، قريب، صديق، أو حتى مواطن بسيط مستعد للعب دور “الواجهة”. والغاية ليست بناء إمبراطوريات اقتصادية حقيقية، بل اقتناص فرص تمر تحت غطاء “الصفقات العمومية”.
بهذا الشكل، يظل الرئيس بعيدًا عن أي اتهام مباشر، بينما تتكفل الشركة الوهمية أو شبه الوهمية بالحصول على نصيبها من الكعكة.

ثقافة “النسب”: معادلة لا تنكسر

النسب هنا ليست مجرد رقم، بل ثقافة راسخة. تبدأ من 5% وقد تصل أحيانًا إلى 30% أو أكثر، حسب نوع الصفقة وحجمها. في مشاريع البنية التحتية مثلاً، النسبة أكبر لأنها مربحة، وفي أنشطة ثقافية أو رياضية صغيرة، النسبة أقل ولكنها تبقى حاضرة.
النتيجة؟ مشاريع متعثرة، أخرى بلا جودة، وثالثة تُنفذ على الورق فقط. المواطن لا يحصل إلا على الفتات، بينما تتوزع النسب بين جيوب محددة بعناية.

تضارب المصالح: ملف قديم بوجه جديد

ما نعيشه اليوم ليس سابقة، بل تكرار مأساوي لفصول قديمة. تضارب المصالح كان دائمًا جزءًا من المشهد، لكن اليوم ارتقى ليصبح “نظامًا موازيا” يوجه الجماعات من الداخل. صار الأمر أشبه بـ اقتصاد خفي، تُدار فيه الصفقات والعلاقات بعيدًا عن المراقبة الحقيقية.

الثمن الباهظ: من يدفع؟

من يدفع في النهاية؟ ليس الرئيس ولا شركته الوهمية، بل الساكنة التي ترى مشاريعها تتبخر قبل أن تولد. الطرق تنهار، الإنارة العمومية تتعطل، المرافق تتحول إلى أطلال، والكل يبرر ذلك بـ”قلة الموارد” أو “تأخر التحويلات المالية”، بينما الحقيقة تكمن في جيوب انتفخت على حساب المصلحة العامة.

إن الحديث عن تضارب المصالح في الجماعات الترابية لم يعد كافيًا، لأنه يوحي أن هناك “حالات استثنائية”. الواقع أن الظاهرة أصبحت قاعدة في بعض المجالس، حتى صارت الشفافية هي الاستثناء. وفي كل مرة يُطرح السؤال: متى سنرى محاسبة حقيقية؟ الجواب يظل معلقًا، بينما تستمر بورصة النسب في عملها بصمت، دون أن تتوقف لحظة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.