بوستة رفض الكرسي حفاظا على المبدأ.. وبركة باع المزرعة حفاظا على الحسابات!

ضربة قلم
من من أبناء الجيل السياسي القديم، لا يتذكر تلك اللحظة التي تحولت مع مرور الزمن، إلى واحدة من أشهر الوقفات في تاريخ المغرب السياسي الحديث؟ حينها، وفي سنة 1993، لم يكن الراحل امحمد بوستة يبحث عن كرسي رئاسة الحكومة، بقدر ما كان يبحث عن شروط، تمنح لذلك الكرسي معنى. فقد عرض عليه الملك الراحل الحسن الثاني قيادة الحكومة، لكن الرجل رفض، لأن شرطه كان واضحا: لا يمكن الحديث عن انتقال ديمقراطي حقيقي، بينما تبقى وزارة الداخلية، بقيادة إدريس البصري، تمسك بكل خيوط اللعبة السياسية، من أولها إلى آخرها.
كان بإمكان بوستة أن يقبل العرض، وأن يدخل التاريخ باعتباره استقلالي يقود الحكومة في تلك المرحلة الدقيقة، لكنه فضل أن يدخل التاريخ من باب آخر؛ باب السياسي، الذي اعتبر أن المناصب تزول، بينما تبقى المواقف شاهدة على أصحابها. ولذلك انتهت مشاورات التناوب التوافقي إلى الفشل، لكن اسم امحمد بوستة، خرج من تلك المحطة مرفوع الرأس، سواء اتفق الناس معه أو اختلفوا.
ذلك كان زمن “لا” التي كانت تكلف صاحبها الكثير.
أما اليوم، فقد أصبحت كلمة “نعم” هي العملة الأكثر رواجا في السوق السياسية، حتى إن بعض الزعماء يكادون يصابون بالحساسية كلما اقتربت منهم كلمة “لا”. ومن هنا، يطرح كثيرون سؤالا سياسيا مشروعا: هل يستطيع الزعيم الحالي لحزب الاستقلال أن يعارض فعلا، إذا اقتضت المصلحة الحزبية أو الوطنية ذلك؟ أم أن العلاقة مع مراكز القرار، أصبحت مبنية على قاعدة “سمعا وطاعة” أكثر من كونها علاقة تفاوض وشراكة سياسية؟
وليس سرا أن متابعين للشأن الحزبي، يرون أن نزار بركة نادرا ما يخرج عن الخط المرسوم، وأنه يفضل التوافق الدائم على المجازفة بالاختلاف، حتى أصبح البعض يردد، بنبرة لا تخلو من السخرية، أن الرجل لا يضيع فرصة للموافقة، وكأن كلمة “لا” حذفت من قاموسه السياسي، منذ توليه قيادة الحزب.
لكن المفارقة لا تقف عند حدود المواقف السياسية فقط.
فالراحل امحمد بوستة، الذي قاد حزب الاستقلال لسنوات طويلة، كان ينظر إلى ممتلكات الحزب، باعتبارها أمانة جماعية وليست إرثا شخصيا أو رصيدا ماليا جاهزا للتصرف فيه، كلما ضاقت الأحوال. ومن بين تلك الممتلكات مزرعة شاسعة بجماعة المنصورية، تتجاوز مساحتها خمسة هكتارات، وكان يشرف على تدبيرها الراحل مولاي العربي الزروالي، الذي كان يعرف تفاصيلها كما يعرف خطوط كفه.
وظلت تلك المزرعة، لسنوات طويلة، جزءا من ذاكرة الحزب وممتلكاته، إلى أن جاء القرار ببيعها، مقابل ما يفوق ستة مليارات سنتيم.
ستة مليارات…
رقم يكفي لأن يجعل أي محاسب يبتسم، وأي سمسار يصفق، وأي مناضل قديم يتساءل في صمت: هل كنا نبني الأحزاب لكي تتحول ممتلكاتها، مع مرور الوقت، إلى عقارات معروضة في سوق البيع والشراء؟
طبعا، من الناحية القانونية، إذا تم البيع وفق المساطر والقوانين والقرارات التنظيمية، فلا أحد يستطيع الاعتراض لمجرد الاعتراض. لكن السياسة ليست قانونا فقط، بل هي أيضا رمزية ورسائل وأخلاق تدبير.
وهنا تبدأ الأسئلة الساخنة.
هل كان بيع هذا العقار آخر الحلول الممكنة؟ أم كان أسهل الحلول؟
وهل استثمرت عائداته في مشاريع استراتيجية، تعزز استقلالية الحزب وتنمي موارده؟ أم أن المليارات، دخلت من باب وخرجت من باب آخر، تاركة المناضلين يتساءلون: أين ذهبت؟
ثم، ماذا بقي من فلسفة الأحزاب التي كانت تفتخر بأنها تبني المؤسسات، وتراكم الأصول للأجيال المقبلة، إذا أصبحت أول أزمة مالية تعالج بعبارة واحدة: “بيعوا الأصل”؟
المفارقة الساخرة أن الأحزاب كانت، في الماضي، تشتري الأراضي، لتضمن استقلالها المالي، أما اليوم، فيبدو أن بعض القيادات تبيع الأراضي لتضمن استمرارها السياسي.
وكأن الرسالة، أصبحت معكوسة تماما.
جيل بوستة كان مستعدا لبيع فرصة الوصول إلى رئاسة الحكومة، حتى لا يبيع موقفا سياسيا.
أما جيل اليوم، فيخشى أن يبيع موقفا سياسيا، لكنه لا يجد حرجا في بيع عقار حزبي، إذا اقتضت الضرورة… أو إذا اقتضت الحسابات.
وربما سيأتي يوم يزور فيه أحد المناضلين القدامى، مكان تلك المزرعة، فلا يجد أشجارها ولا تاريخها، بل مشروعا عقاريا فاخرا، ولوحة إشهارية كبيرة كتب عليها:
“هنا كانت قطعة من ذاكرة حزب الاستقلال… قبل أن تتحول إلى رقم في كشف الحساب.”
ولعل أكثر ما يثير الأسى، أن التاريخ لا يقارن الأشخاص، بعدد البيانات الصحفية ولا بعدد المؤتمرات الحزبية، بل يقارنهم بالمواقف التي تبقى بعد رحيلهم. ولذلك ما زال الناس يذكرون امحمد بوستة لأنه قال “لا” في لحظة كانت كلمة “نعم” تفتح أبواب السلطة، بينما سيبقى السؤال مطروحا على من جاء بعده: ماذا سيترك للأجيال؟ موقفا سياسيا يروى… أم عقد بيع يحفظ في الأرشيف؟




