الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الشأن المحليمجتمع

بوسكورة… عشرات السنين من الفوضى العمرانية: من المسؤول؟

ضربة قلم

من يتأمل ما يجري داخل جماعة بوسكورة منذ مطلع التسعينيات، يدرك أن الفوضى العمرانية التي تطفو على السطح اليوم ليست حدثًا طارئًا ولا نتيجة صدفة، بل هي حصيلة مسار طويل من سوء التدبير وغياب المحاسبة، شاركت في صناعته السلطات المحلية والمجالس الجماعية المتعاقبة على حد سواء. فقد تحولت الجماعة، إلى مساحة مفتوحة لكل أشكال الخروقات، في غياب تام لرقابة حقيقية تُفترض في أجهزة الدولة والمؤسسات المنتخبة.

فبدل أن يُضبط التوسع العمراني وفق رؤية واضحة، تُرك المجال لسنوات طويلة يتشكل بطريقة عشوائية، مما أتاح انتشار المعامل والمستودعات السرية داخل مناطق فلاحية كان يُفترض أن تبقى مصونة ومحفوظة. وفي ظل هذا الغياب الصارخ للحكامة، نبتت بنايات غير قانونية، وارتفعت هياكل حديدية و”هنكارات” في كل الاتجاهات، بعضها كان يتم تحت جنح الليل، وبعضها الآخر في وضح النهار، دون أن تحرك السلطات ساكنًا.

وكل التدخلات التي ظهرت خلال الشهور الأخيرة، من هدم جزئي لبعض “الهنكارات” أو خروج لجان للمراقبة هنا وهناك، ليست إلا ردود أفعال متأخرة، جاءت بعد سنوات طويلة من الصمت ومنح الضوء الأخضر للفوضى كي تستفحل. فالهدم الذي طال ما يُعرف بـالكرملين خلال الشهر الفارط، لم يكن سوى حلقة جديدة في مسلسل التدخلات المتأخرة، التي تعالج نتائج الفوضى ولا تمس أسبابها. فالبناية لم تكن المشكلة في حد ذاتها، بل المشكلة في منظومة، سمحت لها أن تُقام وتستمر وتتمدد بمرأى ومسمع من الجهات المعنية.

الخلل الحقيقي يكمن في أن السلطات المحلية، لم تقم بدورها الطبيعي كجهاز مراقبة وضبط، بل اكتفت في حالات كثيرة بدور المتفرج. أما المجالس الجماعية التي تعاقبت على تدبير بوسكورة، فقد أخفقت -عن قصد أو عن غيره- في وضع استراتيجية حضرية واضحة، وفشلت في فرض احترام قوانين التعمير، سواء بسبب التردد، أو غياب الكفاءة، أو حسابات انتخابية ضيقة، جعلت القرارات الصارمة تُؤجّل عامًا بعد عام.

واليوم، وبعد أن تراكمت الأخطاء وتوسعت رقعة العشوائيات، صار إصلاح الوضع أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل عقد أو عقدين. فالمجال الترابي للجماعة أصبح مترهلاً، يعاني من اختلالات واضحة في توزيع الفضاءات، ومن غياب لمناطق منظمة، ومن تضارب في طبيعة الأنشطة بين السكن، والفلاحة، والصناعة، والتخزين. وكل هذا جرى تحت إشراف سلطات كانىى يفترض فيها حماية المجال، لا تركه ينهار تدريجيًا.

ولا يمكن لأي عمليات هدم ظرفية أو حملات موسمية أن تعالج جذور المشكلة. المطلوب إصلاح جذري، يبدأ بإعادة رسم خريطة التعمير، وتبرز ضرورة اعتماد مقاربة دقيقة في تدبير المجال، تقوم على تحديد المناطق وفق طبيعتها ووظيفتها، مع فرض احترام صارم لمقتضيات القانون. فالمطلوب اليوم هو إغلاق الباب نهائيًا أمام أي رخص تُمنح خارج الضوابط، واتخاذ قرارات جريئة بهدم كل ما يثبت مخالفته، ليس فقط ما يتعلق بالبناء العشوائي، بل أيضًا ما شُيّد فوق أراضٍ فلاحية، كان يفترض أن تبقى محمية. كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة، أصبح ضرورة لا يمكن تجاهلها، لأن ترك الأمور تتفاقم بهذه الطريقة، لم يكن خطأً تقنيًا، بل فشلًا إداريًا وسياسيًا تتحمله جهات بعينها.

بوسكورة تقف اليوم أمام منعطف مهم: فإما الشروع في إصلاح حقيقي يعترف بالأخطاء التي راكمتها السلطات والمجالس المنتخبة عبر عقود، ويضع حدًا للفوضى التي شوهت المجال، أو الاستمرار في سياسة “الترقيع” التي لن تزيد الوضع إلا هشاشة وتعقيدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.