بيان ناري لفيدرالية اليسار: تشخيص قاتم للأوضاع ودعوة لإعادة رسم قواعد اللعبة السياسية بالمغرب

ضربة قلم
توصلنا من حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، ببيان صادر عن الدورة السابعة لمجلسه الوطني، المنعقد يوم الأحد 29 مارس 2026 بالرباط، وهو بيان يحمل نبرة قوية ويقدم قراءة شاملة ومقلقة، للأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، واضعًا الأصبع على اختلالات عميقة تربط بين ما يجري داخليًا والتحولات المتسارعة على الساحة الدولية.
في قراءة معمّقة لبيان الدورة السابعة للمجلس الوطني لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، يتبيّن منذ الوهلة الأولى أننا أمام وثيقة سياسية مشحونة بنَفَس نقدي حاد، لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى إعادة تأطيره ضمن رؤية شمولية تمزج بين البعد الوطني والدولي، وتربط بين ما يجري في الداخل المغربي وبين التحولات المتسارعة في محيط إقليمي ودولي متوتر.
البيان ينطلق من أرضية إيديولوجية واضحة، تُحمّل ما يسميه بـ”قوى الإمبريالية العالمية”، مسؤولية جزء كبير من التوترات الدولية، مع تركيز خاص على ما يحدث في فلسطين، لبنان، وإيران. فالحزب يقدّم نفسه، ضمن معسكر عالمي مناصر لقضايا التحرر وحق الشعوب في تقرير مصيرها، معتبراً أن ما يجري في فلسطين ليس مجرد صراع إقليمي، بل لحظة فاصلة تعيد ترتيب مواقف القوى السياسية والأخلاقية عبر العالم. هذا التموقع يعكس استمرارية في الخطاب اليساري الكلاسيكي، لكنه في الوقت ذاته يراهن على استعادة زخمه داخل السياق الراهن، الذي يشهد تعاطفاً شعبياً واسعاً مع القضية الفلسطينية.
غير أن الأهم في البيان ليس فقط هذا الامتداد الدولي، بل إسقاطه المباشر على الوضع الداخلي المغربي. هنا، يختار الحزب لغة شديدة الحدة، حيث يتحدث عن هيمنة “النظام المخزني” على القرار السياسي والاقتصادي، معتبراً أن العملية السياسية، فقدت جزءاً كبيراً من مصداقيتها، بسبب ما يسميه تداخل السلطة بالمال، واستمرار مظاهر الريع، وغياب المحاسبة. هذه القراءة تعكس موقفاً معارضاً جذرياً، يضع الحزب في موقع المواجهة المباشرة مع بنية الحكم، وليس فقط مع الحكومة كجهاز تنفيذي.
كما يبرز البيان تركيزاً واضحاً على التدهور الاجتماعي، حيث يتم ربط ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واستفحال البطالة، بما يعتبره الحزب فشلاً للسياسات العمومية. اللافت هنا، هو أن الحزب لا يكتفي بالتشخيص، بل يحاول بناء سردية متكاملة، تقول إن ما يُقدَّم تحت عنوان “الدولة الاجتماعية” لا يعدو أن يكون، في نظره، خطاباً للاستهلاك السياسي، لا ينعكس فعلياً على حياة المواطنين.
وفي محور الحريات، يرفع البيان سقف الانتقاد إلى مستوى غير مسبوق، متحدثاً عن تضييق ممنهج على حرية التعبير، واستهداف للصحافيين والمدونين والنشطاء، بل ويذهب إلى اعتبار أن هناك عودة لظواهر “الاعتقال السياسي”. هذا الطرح، سواء اتُّفق معه أو اختلف، يعكس محاولة الحزب تأطير نفسه كمدافع رئيسي عن الحقوق والحريات، في ظل ما يعتبره تراجعاً في هذا المجال.
من جهة أخرى، لا يغفل البيان البعد التنظيمي والسياسي للحزب نفسه، حيث يشير إلى ما يتعرض له مناضلوه من متابعات وضغوط، مقدّماً ذلك كدليل على كلفة المواقف المعارضة. وفي المقابل، يعلن عن استعداد الحزب لخوض استحقاقات 2026 بروح تعبئة، مع طموح واضح لإعادة بناء يسار قوي قادر على التأثير في موازين القوى.
أما في ما يتعلق بقضية الصحراء، فيحاول البيان تقديم مقاربة تجمع بين دعم مبادرة الحكم الذاتي الأممية، والدفع في اتجاه إصلاح سياسي أوسع يقود إلى ملكية برلمانية، وهو طرح يسعى إلى الربط بين الوحدة الترابية والإصلاح الديمقراطي، في صيغة توفيقية تعكس حساسية الموضوع.
ولا يغيب عن البيان البعد النضالي الكلاسيكي، من خلال الدعوة إلى إسقاط التطبيع، ومناهضة الفساد، والدفاع عن العدالة الاجتماعية، وهي شعارات تشكل العمود الفقري للخطاب اليساري، لكن الحزب يحاول إعادة تقديمها في سياق مغربي راهن يتسم بتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.
في المحصلة، يمكن القول إن البيان ليس مجرد وثيقة تنظيمية عابرة، بل هو محاولة لإعادة رسم ملامح خطاب يساري معارض، يسعى إلى استعادة موقعه داخل المشهد السياسي المغربي، عبر الجمع بين النقد الجذري، والانخراط في القضايا الكبرى، واستشراف استحقاقات سياسية قادمة. غير أن التحدي الحقيقي، يبقى في قدرة هذا الخطاب على التحول من مستوى التشخيص والاحتجاج، إلى قوة اقتراحية قادرة على إقناع فئات أوسع من المجتمع، في زمن، لم تعد فيه الشعارات وحدها كافية لصناعة التغيير.




