بين الحدث وضجيج المرتزقة: نقاش الحريديم يكشف من يصنع الفكرة ومن يستهلكها

ضربة قلم
نحن نتابع، في سياق احترام تعددية الآراء وحق الاختلاف، الجدل الذي أثاره موضوع “الحريديم” من اليهود الأمريكيين الذين وجدوا أنفسهم في وضع ديني خاص، فاختاروا أداء صلواتهم، أمام سور باب دكالة التاريخي بمدينة مراكش. هذا السلوك، الذي خرج عن المألوف، فتح نقاشًا واسعًا داخل المجتمع المغربي، بين من اعتبره ممارسة، تدخل في إطار حرية المعتقد الديني التي يكفلها الدستور المغربي، وبين من رأى فيه تصرفًا غير ملائم، من حيث المكان والسياق والرمزية.
المغرب، تاريخيًا، بلد تعايش ديني وثقافي بامتياز، حيث عاش المسلمون واليهود قرونًا في نسيج اجتماعي واحد، تقاطعت فيه العادات والتقاليد، وتداخلت فيه الذاكرة الجماعية. لذلك، فإن أي نقاش من هذا النوع، يجب أن يُؤطر ضمن هذا العمق الحضاري، بعيدًا عن الانفعال أو التوظيف الإيديولوجي الضيق.
غير أن ما يثير الانتباه، وربما الاستغراب، ليس فقط الحدث في حد ذاته، بل بعض “الأصوات” التي تسارع إلى القفز على مثل هذه الوقائع لتحويلها إلى منصات للضجيج المجاني، بدل المساهمة في نقاش جاد ومسؤول. هذه النماذج، التي تعيش على إثارة الجدل، أكثر مما تعيش على إنتاج الفكرة، تتنقل من موضوع إلى آخر، لا بدافع قناعة فكرية، بل بحثًا عن حضور إعلامي أو “موقع” في ساحة لا تعترف، إلا بمن يملك خطابًا متماسكًا.
المشكلة هنا ليست في الاختلاف، فذلك صحي، بل في طبيعة الخطاب الذي يُستعمل. حين يتحول النقاش من تحليل موضوعي إلى هجوم شامل، ومن نقد إلى تحريض، ومن رأي إلى إساءة، فإننا لا نكون أمام حرية تعبير، بل أمام فوضى خطابية تسيء للجميع، بمن فيهم صاحبها.
الأخطر من ذلك، أن بعض هذه الأصوات لا تتردد في اللعب على أوتار حساسة داخل المجتمع، مثل الانتماءات القبلية أو الدينية، في محاولة لإشعال نقاشات جانبية تُبعد الأنظار عن جوهر الموضوع. وهنا بالضبط يكمن الخلل: بدل أن نناقش “ما حدث” بهدوء، نجد أنفسنا أمام من يحاول تحويله إلى “ما يجب أن يُغضبنا”، وكأن الغاية ليست الفهم، بل الاستفزاز.
في المقابل، يبقى السؤال الحقيقي: هل نحتاج فعلًا إلى مثل هذه الأصوات لتأطير نقاشاتنا؟ أم أن المسؤولية تقع أيضًا على من يمنحها المساحة والاهتمام؟ لأن أي خطاب، مهما كان ضعيفًا، لا يمكن أن ينتشر، إلا إذا وجد من يضخمه ويعيد إنتاجه.
إن قوة النقاش العمومي في المغرب، لا تكمن في ارتفاع الصوت داخل الحانات الرخيصة بالرباط، بل في جودة الفكرة. ولا في الشتائم، بل في الحجة. ولا في الإثارة، بل في القدرة على وضع الأمور في سياقها الصحيح. لذلك، فإن التحدي الحقيقي اليوم، ليس في الرد على كل من يثير الجدل، بل في الارتقاء بمستوى النقاش حتى يصبح من يخرج عنه، خارج اللعبة تلقائيًا.
أما عن ذلك “الصوت” الذي لا يفوّت فرصة للظهور، فهو نموذج صارخ، لمن يعيش على هامش النقاش الجاد، يتغذى على الإثارة أكثر مما يستند إلى فكرة. تجده حاضرًا في كل القضايا، لا ليُضيء جانبًا معتمًا، بل ليزيد المشهد ضبابية، بخطاب متقلب لا مبدأ له سوى لفت الانتباه. لا يبني رأيًا، بل يستهلك الأحداث، ولا يقدم تحليلًا، بل يعيد تدوير الاستفزاز. الأخطر أنه يحاول باستمرار جرّ النقاش نحو منحدرات خطيرة، عبر نفخ الخلافات وتغذية حساسيات، لا تخدم سوى الفوضى. ومثل هذه النماذج، مهما علا صوتها، تظل في النهاية، مجرد صدى عابر، لأن النقاش الحقيقي، لا يصنعه من يصرخ أكثر، بل من يفكر أعمق.




