بين الزجر والتساهل: قراءة في حركات التطهير العمراني المحتشمة بالمغرب

ضربة قلم
مما لا شك فيه، أن المواطن المغربي، بات يدرك طبيعة المشهد العمراني، غير المنضبط في مدنه وقراه. خلف الواجهة الرسمية، وفي أحيان كثيرة في الظل، هناك مقدمون وشيوخ، وحتى أعوان السلطة المحلية، ممن يمتلكون عقارات وأموالًا طائلة، نتيجة ممارسة أعمال البناء، خارج القانون. لكن، وفي الوقت نفسه، يظهر معظم هؤلاء وكأنهم محدودي اليد وقلة الحيلة، متظاهرين بالعجز الظاهري، لرفع شعار مستتر: “هل من مزيد؟”.
إن هذه الصورة، كما يراها المراقب عن كثب، تكشف عن تزاحم مصالح شخصية مع واجب إداري، وعن تساهل مقصود، لا سيما في الحالات، التي يمكن فيها تسجيل الزجر أو الفصل، حيث غالبًا ما تتخذ الإجراءات محدودة ومتفرقة، ما يطلق عليه بعض المختصين حركات تطهير محتشمة، هنا وهناك.
1. واقع البناء غير المرخص ومستويات التساهل
بخلاف الاعتقاد السائد، لدى بعض المواطنين بأن عهد البناء غير المرخص قد ولّى، تكشف الجولة البسيطة، في أحياء المدن أو دواوير القرى عن استمرار الظاهرة بكثافة.
ففي الكثير من النقاط، يمتلك المسؤول المحلي صلاحية الموافقة أو التغاضي أو المشاركة الجزئية، مما يجعل توزيع أدوار مراقبة البناء، بين القانون والوساطة، أحيانًا على حساب الشفافية والمصلحة العامة.
أمثلة ملموسة:
-
الأبنية التي يتم إيقافها مؤقتًا، ثم استكمالها لاحقًا، بعد دفع رسوم أو تقديم وعود.
-
هدم جزئي لمنازل، تم ضبطها في حالة تلبس، ثم السماح للبقية بالاستمرار.
-
حالات لا تُسجّل رسميًا، وإنما يتم فيها فصل جزء من البناء وترك البقية، كنوع من الزجر الرمزي.
2. حركات التطهير المحتشمة: حد الزجر دون الإقصاء الكامل
في هذه الحالات، يمكن وصف الإجراءات بأنها محتشمة، لأنها لا تهدف إلى فرض القانون بشكل صارم، بل إلى تذكير المواطن بالحدود دون تجاوز مصالح محلية أو شخصية.
مثال على ذلك:
-
إزالة جزئية للطابق الأخير من منزل مخالف، مع السماح لبقية البناء بالاستمرار.
-
إزالة تجهيزات إضافية فقط، أو إزالة السور الخارجي دون هدم البناء الأساسي.
-
توجيه إنذار رسمي، وتسجيل مخالفة على الورق، دون متابعة فعليّة دقيقة بعد ذلك.
يلاحظ المراقبون أن هذه الطريقة تخدم هدفين في الوقت ذاته:
-
إظهار السلطة وقدرتها على التحكم.
-
تجنب الصدام الكامل مع فئات تمتلك نفوذًا ماليًا أو اجتماعيًا.
3. المقدمون والشيوخ وأعوان السلطة: بين المشاركة والتظاهر بالعجز
الطرف المحلي، الأكثر تأثيرًا في هذه الدينامية، هم المقدمون والشيوخ، وأحيانًا أعوان السلطة الذين يمتلكون أموالًا وعقارات طائلة بفضل ممارستهم العملية ،للبناء غير القانوني أو تنظيم الأراضي.
المفارقة هي أنهم غالبًا يتظاهرون بعدم القدرة على السيطرة، في الوقت الذي يضمنون فيه، استمرار مصالحهم أو مصالح مواليهم.
-
يظهر هذا في محاربة البناء غير المرخص مع القائد، حيث تتم التسويات جزئيًا.
-
وفي حالات أخرى، يتم الإبلاغ عن المخالفات في مرحلة التلبس فقط، ثم التراجع أو التخفيف بعد تدخل الوساطات.
يمكن القول إن هذا السلوك يعكس توازناً هشاً بين القانون والمصالح الشخصية والاجتماعية، ويترك للمواطن العادي شعورًا بأن الإجراءات انتقائية ومحدودة التأثير.
4. تسجيل الحالات البسيطة والزجر الرمزي
رغم هذا الوضع المعقد، هناك حالات يتم فيها الفصل والزجر الفعلي:
-
ضبط مخالفة أثناء البناء، وإجبار صاحبها على هدم الجزء المخالف.
-
تسجيل المخالفة في السجل المحلي لإشعار الجهات الأعلى.
-
أحيانًا، إلغاء تراخيص فرعية أو فرض غرامات، دون استكمال الهدم الكامل.
هذه الحالات، رغم بساطتها، تعتبر مؤشراً على وجود رادع ولو جزئي، وتدل على أن الدولة أو الإدارة المحلية لا تزال قادرة على التدخل، حتى لو كان ذلك محدودًا أو رمزيًا.
5. الاستنتاج والتحليل العام
ما نلاحظه هو تباين واضح بين القانون المعلن على الورق والتطبيق العملي على الأرض:
-
القانون يشدد على منع البناء غير المرخص، لكنه غالبًا ما يُفسّر بحسب المصالح المحلية.
-
حالات الزجر والفصل، على الرغم من محدوديتها، تسجل وجود إجراءات رقابية وقائية، لكنها تظل غير كافية للقضاء على الظاهرة بالكامل.
-
لذلك يمكن وصف هذا المشهد بأنه حركات تطهيرية محتشمة، هنا وهناك، تستهدف التذكير بالحدود لا فرض العقوبة الكاملة.
خاتمة:
في النهاية، المواطن المغربي بات يعرف جيدًا أن السلطة المحلية، تتعامل مع البناء غير القانوني، بطريقة مختلطة:
-
هناك من يسجّل المخالفات ويطبق الزجر الرمزي.
-
وهناك من يستمر في التواطؤ الجزئي أو التظاهر بعدم القدرة.
وبين هذين القطبين، يظهر ما يمكن تسميته الحركات التطهيرية المحتشمة:
رغم أن القانون حاضر، فإن التطبيق العملي، لا يزال محدودًا ومجزأً، ما يجعل المواطن يعيش في فضاء مختلط بين الرقابة الرمزية والتساهل الحذر، بين الزجر هنا وهناك والتجاوز الخفي.




