مجتمع

بين الشعوذة والفراغ الروحي: حكاية “شوافة بوسكورة” التي كشفت وجهاً آخر للمجتمع

ضربة قلم

لم تكن “الشوافة” التي تناقل الناس خبر اعتقالها في بوسكورة سوى وجه جديد لظاهرة قديمة، تعود كلما اشتدّت الأزمات وضاق الأفق أمام الناس. فالخبر، نجح في إشعال نقاش أعمق: لماذا لا يزال السحر والشعوذة يجدان طريقاً ممهداً في مجتمعٍ يتحدث عن الرقمنة والذكاء الاصطناعي؟

الوجه الخفي للبحث عن الخلاص

عندما يُغلق باب الأمل، يُفتح باب الشعوذة.
في بيوت كثيرة، تُستقبل “الشوافة” كطبيبة للقلوب المكسورة، وكاشفة لأسرار الغيب، وملاذٍ لكل من عجزت عن مساعدته المؤسسات أو تجاهله الأصدقاء. النساء على وجه الخصوص يشكلن الفئة الأكثر حضوراً في هذه الجلسات الغامضة، حيث يمتزج الخوف بالرغبة في التغيير، والجهل بالأمل، والدمعة بالضحكة المزيّفة.

ليست “شوافة بوسكورة” إلا واحدة من عشرات مثيلاتها اللواتي يشتغلن في الظل، ويمارسن “سلطة نفسية” على زبوناتهن، مستفيدات من هشاشة الثقة بالعلم والدين والمؤسسات.
كل جلسة “كشف” هي في الحقيقة جلسة علاجٍ نفسي بديل، وإن كانت بطرق بدائية ومغشوشة.

الاقتصاد الخفي للشعوذة

وراء كل “بخور” تجارة.
الشعوذة ليست هواية بل اقتصاد خفيّ تُدرّ فيه الملايين سنوياً، من بيع الأعشاب إلى “التعويذات”، ومن جلسات “الطهر” إلى “الربط” و“التفريق”.
بعض الشوافات يمتلكن شبكات توزيع منظمة، ويتعاملن حتى عبر “الواتساب” و“التيك توك”، في تسويقٍ جديد للجهل الرقمي.
القصة لم تعد بين “كيس بخور” وامرأة بسطاء، بل بين سوقٍ منظمٍ واستغلالٍ ممنهجٍ لليأس الإنساني.

السلطة مقابل العلم

عندما تفشل المدرسة في زرع المنطق، وتغيب الدولة عن دعم الصحة النفسية، تملأ “الشوافة” الفراغ.
فهي لا تملك شهادة علمية، لكنها تملك ما هو أهم: قدرة الإقناع.
هي لا تعالج، لكنها تُصغي. لا تملك حلاً، لكنها تبيع الأمل.
وهذا وحده كافٍ لجعلها “ملاذاً روحياً” في مجتمعٍ يعاني من العزلة والضغط اليومي.

المفارقة المغربية

المفارقة في المغرب أن محاربة الشعوذة لا تكون فقط عبر القانون، بل عبر إعادة بناء الثقة:
الثقة في المؤسسات، في التعليم، في العدالة، وفي الخطاب الديني المتزن.
فحين تتآكل هذه الثقة، تعود “الشوافة” لتملأ الفراغ، وتصبح “البديل النفسي” في بلدٍ يبحث عن الطمأنينة أكثر مما يبحث عن الحقيقة.

الخاتمة

سواء كانت “شوافة بوسكورة” واقعة حقيقية وثّقتها عدسات الهواتف، أم مجرّد قصة تضخّمت في دهاليز “السوشيال ميديا”، فإنها تذكير صارخ بأن مجتمعنا ما زال يعيش بنصف عقل في القرن الحادي والعشرين، والنصف الآخر في قرون الخرافة.
فالفراغ لا يبقى فارغاً أبداً، وكل مساحة لا تملؤها المعرفة، تملؤها الأوهام.
ويبقى السؤال الأهم:
هل نحارب فعلاً الشعوذة… أم أننا فقط غيّرنا عنوانها واسم فاعلها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.