بين العامل الجدي والعامل “البواس”

ضربة قلم
ليس كل عامل في المغرب نسخة عن الآخر، فبين من يعتبر المنصب تكليفًا ثقيلًا ومسؤولية وطنية، ومن يراه فرصة للظهور الاجتماعي وتحضير “تحويشة العمر”، مسافة شاسعة، لا تُقاس بعدد الزيارات، بل بعمق الأثر في حياة المواطنين.
هناك عامل جدي، يدخل إلى مكتبه وهو محمّل بالملفات، لا بالعدسات، منشغل بتتبع القضايا العالقة، وحل النزاعات الإدارية، ودفع الجماعات الترابية التابعة لنفوذه الترابي، إلى احترام القانون، والاستجابة لانتظارات السكان، عامل لا يهوى المشي وسط الطبالة والزمارة، ولا يبحث عن مواكب مصطنعة، ولا يحتاج إلى عربات مجرورة بالخيول، ولا إلى فرق فولكلورية ترافق زيارة تفقدية، لمشروع متعثر أو حي مهمّش، حضوره يكون صامتًا، لكن نتائجه مسموعة، قراراته تُوجِع لكنها تُصلِح، وخطواته لا تُقاس بعدد الصور المنشورة، بل بعدد المشاكل، التي اختفت من طوابير الشكايات.
في المقابل، برز نموذج آخر، يمكن تسميته دون حرج، بالعامل الاستعراضي، عامل لا يطمئن، إلا حين تسبقه الكاميرا، ولا يشعر بوجوده إلا حين يُرى، يكثر من الجولات، وتقلّ النتائج، يكثر من الابتسام، وتتراكم الملفات، يكثر من الخطابات، وتظل الجماعات غارقة في أعطابها، عامل يخلط بين القرب من المواطن، والقرب من العدسة، وبين العمل الإداري، والعمل المسرحي.
ومن هذه الفصيلة، خرجت أنماط أكثر غرابة، طينة تعشق ملاعب الغولف، أكثر مما تعشق قاعات الاجتماعات، وتجد في الولائم المجانية، راحة نفسية، أكبر من مواجهة تقارير الاختلالات، وتعتبر حضور المناسبات الاجتماعية، استثمارًا سياسيًا لا واجبًا إداريًا، بل هناك صنف يسمّيه الناس، بسخرية ممزوجة بالمرارة، “العامل البواس”، عامل يقبّل الصغير والكبير، يحتضن الأطفال أمام الكاميرات، يصافح الشيوخ بحركات عاطفية محسوبة، يتفنن في إظهار التواضع، بينما واقع العمالة، التي يشرف عليها لا يعكس أي تواضع في النتائج، ولا أي عدالة في توزيع الخدمات.
هذا المشهد العاطفي المصطنع، لا علاقة له بخدمة المصلحة العليا للبلاد، ولا بحقوق العباد، لأن المواطن لا يحتاج إلى قبلة، بل إلى توقيع إداري في وقته، لا يحتاج إلى صورة، بل إلى طريق، وإلى ماء، وإلى كهرباء، وإلى مستوصف، وإلى مدرسة، وإلى احترام، حين يقف أمام شباك الإدارة.
الأخطر من ذلك، أن بعض هؤلاء لا يتحركون، إلا حيث يوجد المستثمر، أو صاحب النفوذ، أو “مول الشكارة”، يتسابقون إلى الظهور في أدنى مناسبة، إذا كانت مربحة اجتماعيًا، أو مفيدة شبكيًا، لأنهم في العمق لا يبحثون عن خدمة مرحلة، بل عن شبكة علاقات ما بعد المنصب، عن جسر يعبرون به، من الإدارة إلى عالم المال، عن تحويشة العمر باسم التواضع المصوَّر.
وهنا يصبح الفرق واضحًا، بين عامل يرى نفسه موظفًا ساميًا، في خدمة الدولة، وعامل يتصرف، وكأنه مشروع رجل أعمال مؤجل، الأول يخاف من غضب ضميره، إن قصّر في ملف، والثاني يخاف فقط، أن يُنسى اسمه بعد مغادرة الكرسي.
في مناطق يسيرها عامل جدي، يشعر المواطن، ولو ببطء، أن هناك دولة تشتغل، وفي مناطق يسيرها عامل “بواس”، يشعر المواطن أن هناك عرضًا دائمًا، وصورة تُسوَّق، بينما مشاكله، تُركن خلف الستار، تنتظر من يوقّع لا من يبتسم.
ليست الأزمة في الأشخاص وحدهم، بل في الثقافة التي تخلط بين التواضع الحقيقي، والتواضع أمام الكاميرا، وبين القرب من المواطن، والقرب من الصورة، وبين السلطة كوظيفة، والسلطة كفرصة اجتماعية.
أخطر ما يمكن أن يصيب الإدارة الترابية، ليس الفساد الصريح فقط، بل التفاهة في ممارسة السلطة، حين تتحول المسؤولية إلى عرض، والزيارة إلى مهرجان، والعامل إلى نجم مناسبات، يصبح الوطن مجرد خلفية لصورة، والمواطن مجرد ديكور في مشهد بلا تغيير.
لهذا، لسنا في حاجة إلى عامل يقبّل الرؤوس، بل إلى عامل يوقّع القرارات الصحيحة، لسنا في حاجة، إلى عامل يضحك أمام العدسات، بل إلى عامل يُغضب لوبيات الفوضى، لسنا في حاجة إلى عامل يوزع الابتسامات، بل إلى عامل يوزع الإنصاف.
بين عامل يشتغل بصمت، وعامل يشتغل على صورته، تضيع أحيانًا مصالح الناس، ويبقى السؤال معلقًا، هل نريد عمالًا يدبرون التراب، أم عمالًا يدبرون صورتهم؟




