بين القضاء والصحافة… لماذا لا يكفي الاجتهاد وحده؟

ضربة قلم
من أجمل ما يميز المجتمعات المتقدمة، أنها تحترم التخصص، لا لأنها ترفض الاجتهاد، وإنما لأنها تدرك أن لكل مهنة أسرارها التي لا يراها، إلا من عاشها سنوات طويلة، واكتوى بتفاصيلها، وتعلم من أخطائها قبل نجاحاتها.
خذ القضاء مثلاً.
فالناس يتحدثون كثيراً عن القاضي، لكنهم قد لا يدركون أن داخل المؤسسة القضائية نفسها، توجد مدارس وتجارب مختلفة، لكل واحدة منها فلسفتها وطبيعة عملها. هناك القضاء الواقف، المتمثل في النيابة العامة، حيث يتعامل القاضي مع الأبحاث الجنائية، ويقيم الأدلة، ويقرر المتابعة أو الحفظ، ويترافع باسم المجتمع دفاعاً عن القانون. وهناك القضاء الجالس، الذي يجلس على منصة الحكم، ويستمع إلى الجميع، ويزن الوقائع والأدلة، ثم ينطق بحكمه، بعد اقتناع تكون عبر دراسة الملف وتطبيق القانون.
ورغم أن القضاء الواقف والقضاء الجالس ينتميان إلى السلطة القضائية نفسها، فإن بينهما من حيث التجربة العملية مسافة، لا يختزلها الانتماء إلى المهنة. ففي رحاب النيابة العامة يتعامل القاضي مع حركة الدعوى العمومية، ويواكب الأبحاث، ويقدر وسائل الإثبات، بينما يتولى قاضي الحكم، من موقع الحياد، تمحيص الملف بكل تفاصيله، والإنصات إلى الأطراف، وبناء اقتناعه القضائي، حيث لكل واحدة منهما خصوصيتها وأثرها في تكوين الشخصية القضائية.
وهذا الأمر لا يقتصر على القضاء.
فالطب بدوره لا يعرف طبيباً واحداً، بل يعرف عشرات التخصصات. طبيب القلب ليس طبيب أعصاب، وطبيب العيون ليس جراح العظام، رغم أنهم جميعاً أطباء. والطيار الذي يقود طائرة مدنية لا يعني بالضرورة أنه قادر على قيادة مقاتلة عسكرية، والمهندس المدني لا يمارس بالضرورة هندسة الطيران، رغم أنهم جميعاً مهندسون.
التخصص ليس رفاهية، بل ضرورة فرضها تعقد المعرفة الإنسانية.
ومن بين أكثر المهن التي يسيء البعض فهمها مهنة التعليم.
فالمدرس ليس مجرد ناقل للمعلومات، بل هو صانع للعقول. بين يديه يتخرج القاضي، والطبيب، والمهندس، والوزير، والطيار، ورجل الأمن، والصحفي، بل وحتى الأستاذ الجامعي نفسه. إنه الحلقة الأولى في بناء الإنسان، ولذلك، فإن أثره يتجاوز القسم الدراسي إلى المجتمع كله.
غير أن هذا لا يعني أن المعلم، يستطيع أن يمارس كل تلك المهن.
قد يمتلك الأستاذ ثقافة واسعة، وقد يكون قارئاً نهماً، وقد يكتب مقالات فكرية أو أدبية راقية، وقد يصبح روائياً أو شاعراً أو ناقداً أو محللاً سياسيا أو كاتب عمود أسبوعي، بل إن التاريخ مليء برجال تعليم، تحولوا إلى أسماء كبيرة في الأدب والفكر.
لكن ذلك شيء، والعمل الصحفي شيء آخر.
فالصحافة ليست مجرد كتابة.
الصحافة مدرسة قائمة بذاتها، لها أخلاقياتها، وتقنياتها، ومناهجها، وأجناسها المتعددة؛ من الخبر، إلى التحقيق، إلى الحوار، إلى الروبورتاج، إلى المقال الافتتاحي، إلى البورتريه، إلى التقرير، إلى الاستقصاء، وصولاً إلى صحافة البيانات والصحافة الرقمية.
ولكل جنس من هذه الأجناس، قواعده التي لا تُكتسب بالمطالعة وحدها، وإنما بالممارسة اليومية، وبالاحتكاك بالميدان، وبالقدرة على الوصول إلى المعلومة، والتحقق منها، وترتيبها، ثم تقديمها بأسلوب يجمع بين الدقة والجاذبية.
إن الصحفي لا يكتب فقط، بل يبحث، ويقارن، ويستمع، ويشك، ويتحقق، ويعود إلى المصادر، ويتحمل مسؤولية كل كلمة ينشرها.
ولهذا يقال، إن الخبر يُصنع قبل أن يُكتب.
أما الأسلوب الصحفي، فهو بدوره عالم مستقل. إنه ذلك الأسلوب الذي يبدو للقارئ بسيطاً وسلساً، بينما يخفي وراءه جهداً كبيراً في الاختصار، والدقة، والانتقاء. إنه ما يسميه البلاغيون “السهل الممتنع”؛ نص يقرأه الجميع بسهولة، لكن القليل فقط يستطيعون كتابته.
ولهذا، كثيراً ما نقرأ مقالات مليئة بالمفردات الصعبة، والاستعارات الثقيلة، لكنها تفشل في إيصال الفكرة. وفي المقابل نجد خبراً صحفياً لا يتجاوز بضع فقرات، لكنه يختصر قضية كاملة، بلغة يفهمها الجميع.
إن البساطة ليست ضعفاً، بل قمة الإتقان.
ولذلك، فإن احترام التخصص لا ينتقص من قيمة أحد، بل يحفظ قيمة الجميع.
فالطبيب، لا يقلل من شأن القاضي، والقاضي لا ينافس المهندس، والمهندس لا يزاحم الصحفي، والصحفي لا يدعي النبوة. لكل واحد مجاله، ولكل واحد أدواته، ولكل واحد سنوات من التكوين والخبرة، لا يمكن تعويضها بالرغبة وحدها.
قد ينجح الإنسان في أكثر من مجال، وهذا أمر ممكن، لكنه لا ينجح، لأنه اقتحم المهنة من خارجها، بل لأنه منحها ما تستحق من تعلم وصبر وتجربة وتكوين مستمر.
وفي النهاية، تبقى المهن الكبرى متشابهة في شيء واحد؛ أنها لا تعترف بالادعاء، وإنما تعترف بالكفاءة.
فكما لا يمكن أن نجلس على كرسي القضاء، بمجرد حب القانون، ولا أن نمسك مشرط الجراحة بمجرد قراءة كتب الطب، فإن الصحافة أيضاً ليست لوحة مفاتيح وحساباً على مواقع التواصل الاجتماعي، بل هي مهنة لها علمها وأصولها ومسؤوليتها.
إن احترام التخصص ليس تضييقاً على الطموح، وإنما هو احترام للمعرفة نفسها، لأن الحضارات، لا تُبنى بمن يعرف كل شيء، بل بمن يُتقن شيئاً واحداً، ثم يُبدع فيه حتى يصبح مرجعاً للآخرين.
قد يكتب الأستاذ مقالا بديعًا، وقد يبدع الصحفي في تحليل قضية تربوية، وقد يكتب القاضي رواية خالدة، وقد يؤلف الطبيب ديوان شعر، لكن الموهبة وحدها لا تُلغي التخصص، لأن لكل مهنة لغتها، وأخلاقياتها، وأدواتها التي لا تُكتسب، إلا بالعلم والممارسة. فكما لا يليق بالصحفي أن يتقمص دور القاضي، لا يليق بالقاضي أن يتقمص دور الطبيب، ولا بالمعلم أن يتقمص دور الصحفي. إن احترام التخصص، ليس انتقاصًا من قدر أحد، بل هو أرقى درجات احترام المعرفة.




