الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

بين المِرآة والمرآب… حين يغضب المحامون من وزيرٍ كان يومًا زميلهم

ضربة قلم

منذ أن وُضع مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على طاولة النقاش العمومي والمؤسساتي، لم يعد الأمر مجرد مسار تشريعي عادي، بل تحوّل إلى عنوان لاحتقان مهني واسع، ونقاش محتدم يتجاوز النصوص إلى ما وراءها: إلى الرمزية، إلى العلاقة بين الدولة والمهنة، إلى سؤال الاستقلال والهوية.

فالمحاماة في المغرب ليست مجرد إطار تنظيمي يحدده قانون، بل هي مؤسسة تاريخية ارتبطت بالدفاع عن الحريات والحقوق، وشكّلت عبر عقود صوتًا قانونيًا في لحظات سياسية دقيقة. لذلك، حين يُطرح تعديل يمسّ بنيتها أو شروط ممارستها أو آليات تأطيرها، فإن رد الفعل لا يكون تقنيًا باردًا، بل محمّلًا بذاكرة جماعية وإحساس عميق بالانتماء.

ليس الغضب الذي يسكن جزءًا واسعًا من محامي المغرب حدثًا عابرًا في دورة احتجاج مهني معتادة، ولا هو مجرّد اختلاف تقني حول مادة قانونية أو صياغة مسطرة. إنه غضبٌ مُركّب، يتغذّى من إحساس بالخذلان، ومن شعور بأن اليد التي امتدت لتعديل نصوص تمسّ جوهر المهنة هي يدٌ تعرف تفاصيلها الدقيقة، بل عاشت دهاليزها. هنا تتكثّف الرمزية: وزير عدلٍ كان محاميًا، يتصدّر مشروع تعديلٍ يراه كثيرون مسًّا بكرامتهم ومكانتهم.

1) لماذا يتحوّل الخلاف المهني إلى أزمة كرامة؟

المحاماة ليست وظيفة تقنية فحسب؛ إنها هوية ورسالة ورأسمال رمزي.
وعندما يُنظر إلى أي تعديل يمسّ شروط الولوج، أو طبيعة العلاقة مع السلطة القضائية، أو آليات التأديب والرقابة، أو استقلال التنظيم المهني، على أنه انتقاص من “الاستقلالية” أو “الضمانات”، فإن الأمر يتجاوز التفاصيل إلى سؤال: من يعرّف المهنة؟
هل تُعرَّف من داخلها عبر هيئاتها ونقبائها ومؤسساتها المنتخبة؟ أم تُعاد صياغتها من خارجها بمنطق تدبير عمومي يُغلّب نجاعة الإدارة على رمزية الاستقلال؟

حين يشعر المحامون أن الكفّة مالت إلى المقاربة الإدارية الصرفة، يتولّد الانطباع بأن كرامة المهنة -بما تحمله من تاريخ في الدفاع عن الحريات والحقوق -تتعرض للضغط. ومن هنا تأتي اللغة الانفعالية، بل أحيانًا “الهستيرية”، لأنها تعبير عن جرح رمزي أكثر منه اعتراضًا على مادة بعينها.

2) مفارقة “الزميل الوزير”

في علم الاجتماع السياسي، تُعدّ “المفارقة التمثيلية” من أكثر اللحظات توتّرًا: حين ينتقل الفاعل من تمثيل جماعته إلى تمثيل الدولة.
الوزير، وهو محامٍ سابق، لم يعد يتكلم بلسان المهنة بل بلسان الحكومة. لكن جزءًا من الجسم المهني ما يزال ينظر إليه بعين الزمالة، ويتوقّع منه أن ينحاز -أو على الأقل أن يُحسن الإصغاء- بلغة أهل الدار.
هنا ينشأ الصدام:

  • الوزير يرى نفسه ملزمًا بترجمة برنامج حكومي وإصلاحات شاملة للعدالة.

  • والمحامون يرونه مُطالبًا بحماية “روح المهنة” قبل أي شيء.

كلما اتسعت الفجوة بين التوقّع والقرار، تضخّم الإحساس بالخيانة الرمزية، ولو لم يكن في نية صاحب القرار أي انتقاص.

3) الإصلاح بين منطق الدولة ومنطق المهنة

الدولة، في سياق إصلاح منظومة العدالة، تميل إلى:

  • توحيد المعايير،

  • تعزيز الحكامة والشفافية،

  • ضبط الولوج للمهن القانونية،

  • تشديد آليات المراقبة والمساءلة.

بينما تنطلق المهنة من:

  • أولوية الاستقلال عن السلط،

  • الحفاظ على التنظيم الذاتي،

  • صون أسرار العلاقة مع المتقاضين،

  • حماية الامتيازات الرمزية والمادية المكتسبة تاريخيًا.

التوتر هنا ليس مغربيًا خالصًا؛ إنه توتر عالمي بين “الضبط العمومي” و“الاستقلال المهني”. غير أن حدّته في المغرب ترتبط بخصوصية تاريخ المحاماة التي ارتبطت، في محطات عديدة، بالدفاع عن الحريات والملفات الكبرى، ما يجعل أي تعديل يُقرأ بعيون الذاكرة قبل أن يُقرأ بعيون النص.

4) لغة الاحتجاج… من النقد إلى الانفعال

حين ترتفع السقوف في البلاغات، وتُستدعى مفردات الكرامة والهيبة والمسّ بالاستقلال، فإننا أمام خطاب يتغذّى من الشعور بالاستبعاد من صناعة القرار.
المحامون -بوصفهم نخبة قانونية- يتوقعون حوارًا موسّعًا، تشاركية حقيقية، واستحضارًا لملاحظاتهم في الصياغة النهائية.
فإذا أحسّوا بأن المشاورات شكلية أو أن خلاصات الهيئات لم تنعكس في النص، يتحول الخلاف إلى أزمة ثقة، وتتحول الأزمة إلى تعبئة جماعية.

والتعبئة حين تتغذى من الإحساس بالكرامة، تصبح أشدّ حدّة من أي خلاف تقني.

5) كرامة المهنة… مفهوم أم شعار؟

الكرامة هنا مفهوم مركزي.
هي ليست امتيازًا فوق القانون، بل شعور بأن المهنة شريك في العدالة لا تابع لها.
أي نص يُشعر المحامي بأنه خاضع لإدارة أكثر مما هو جزء من السلطة القضائية، أو أنه مقيّد في أدائه لدوره الدفاعي، سيُقرأ كمساس بالكرامة، لو كانت نية المشرّع تنظيمية محضة.

لكن في المقابل، يطرح سؤال موضوعي:
هل كل تنظيم أو ضبط يُعدّ انتقاصًا؟
أم أن بعض الإصلاحات، مهما كانت مؤلمة، قد تكون ضرورية لضبط سوق المهنة، وضمان الجودة، وحماية المتقاضين من ممارسات غير مهنية؟

الإجابة ليست بسيطة، لأنها تمسّ توازنًا دقيقًا بين الحرية والمسؤولية.

6) خلفية أعمق: أزمة ثقة أوسع

الغضب المهني لا ينفصل عن سياق أوسع من توترات اجتماعية واقتصادية.

  • ضغط الملفات،

  • المنافسة الشرسة داخل المهنة،

  • تحديات الرقمنة،

  • تراجع الثقة في المؤسسات عمومًا.

في هذا المناخ، يصبح أي تعديل بمثابة الشرارة التي تُخرج الاحتقان الكامن إلى السطح.

7) إلى أين؟

المشهد اليوم يقف عند مفترق طرق:

  • إما أن يتحول الخلاف إلى قطيعة رمزية بين الوزارة والجسم المهني،

  • أو يُستثمر كفرصة لإعادة بناء جسور الثقة عبر حوار عميق وشفاف.

العدالة، في نهاية المطاف، ليست نصوصًا فقط؛ إنها منظومة ثقة.
والمحامي، مهما اشتد الخلاف، يظل ركيزة فيها.
كما أن الوزير، مهما تعرّض للنقد، يظل مسؤولًا عن إصلاحها من منظور الدولة.

خاتمة… غضب يستحق الإصغاء

الغضب الذي يسكن محامي المغرب اليوم، ليس مجرد انفعال عابر؛ إنه رسالة سياسية ومهنية، تقول إن المهنة تريد أن تُسمَع لا أن تُدار.
وفي المقابل، فإن أي إصلاح حقيقي، لا يمكن أن ينجح، إذا افتقد شرعية القبول المهني.

بين الكرامة والإصلاح، بين الزمالة والمسؤولية الحكومية، تتحدد معالم المرحلة.
والسؤال الأهم ليس من انتصر في جولة خطابية، بل:
هل ستخرج العدالة أقوى… أم أكثر انقسامًا؟

تنبيه: الصورة تعبيرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.