
م-ص
أعلنتُ لها، دون تردد، أنني مستعد لأن أسافر معها طويلاً، في درب الحياة، لا كعابرٍ يمرّ، بل كرفيقٍ يعرف معنى الطريق وما يتطلبه من صبرٍ وصدقٍ وتحمّل. قلتها كما تُقال الأشياء الكبيرة: ببساطة، لكن بثقلها الكامل. كنت أظن أن الوضوح يفتح الأبواب، وأن النوايا الصادقة، لا تحتاج إلى ترجمة إضافية… لكنها، على ما يبدو، كانت تقرأ الرسائل بطريقة أخرى.
بعد أن تأكدت من موقفي، تغيّرت ملامح حضورها. لم تختفِ تمامًا، لكنها بدأت تُخفي ذلك الحب الذي تسرب إلى قلبها دون سابق إشعار، كما لو أنه خطأ يجب تصحيحه، أو سرّ يجب دفنه. لم أفهم كيف يمكن لعاطفةٍ وُلدت بعفوية، أن تتحول فجأة إلى شيء يُدار بحذرٍ مبالغ فيه، كأنها تخشى من نفسها، أكثر مما تخشى مني.
ثم جاء ذلك الصمت… الصمت الذي لا يشبه الهدوء، بل يشبه فقدان الاتجاه. فجأة، ضاع مفتاح التواصل، لا لأن الظروف فرضت ذلك، بل لأن القرار بدا متعمّدًا. وكأنها اختارت أن تُغلق الباب من الداخل، وتترك خلفه، كل ما كان يمكن أن يُقال، وكل ما كان يمكن أن يُفهم. كان تصرّفًا يتناقض مع صدق عواطفها، أو على الأقل مع ما بدا لي يومًا أنه صدق.
لم أطارد هذا الغياب، ولم أحوّل نفسي إلى سائلٍ دائم عن أسباب لا تُقال. على العكس، اخترت أن أقدّرها أكثر… أن أترك لها المساحة التي طلبتها، لكن دون أن أتحول إلى ظلٍّ ينتظر الإذن بالظهور. لم أتعامل مع الأمر كأطفالٍ، يختبرون حدود القرب والبعد، بل كإنسانٍ يدرك أن العلاقات الحقيقية، لا تُبنى على الغموض، ولا تُدار بمنطق “اختفِ كي أشتاق إليك”.
كنت أؤمن، وما زلت، أن اللحظات الصادقة، تحتاج إلى نقاشٍ صريح، إلى مواجهةٍ هادئة لكل تلك التفاصيل الصغيرة التي، إن تُركت، تتحول إلى فجوات كبيرة. كنا أمام فرصة لنمرّ من كل المراحل بسرعة الضوء، أن نحرق المسافات بالوضوح لا بالانسحاب، أن نختصر الطريق لا أن نُطيله بالأسئلة المؤجلة.
لكن ما حدث كان شيئًا آخر…
صمتٌ يُربك، ومسافةٌ تُفرض دون تفسير، وكأن العاطفة تُختبر بطريقة قاسية، لا لزوم لها.
وفي خضم كل ذلك، كان عليّ أن أختار:
إما أن أترك مشاعري تنزف بصمت،
أو أن أحميها بما يكفي من الكرامة.
اخترت الطريق الأصعب…
أن لا أنتظر على بابٍ لا يُفتح،
وأن لا أسمح لعاطفتي، أن تنتحر أمام كرامتي… ولا أمام كرامتها هي أيضًا.
لأن الحب، في النهاية، ليس معركة كسر عظام،
ولا لعبة شدّ الحبل بين القرب والغياب،
بل هو شجاعة البقاء… أو شجاعة الرحيل دون ضجيج.




