بين حق الاختلاف وواجب المحاسبة… ماذا قدم المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية للمغاربة؟

ضربة قلم
في سنة 2001، أحدث المغرب المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، في إطار رؤية وطنية هدفت إلى صيانة أحد المكونات الأساسية للهوية المغربية، والارتقاء باللغة والثقافة الأمازيغيتين، ودعم البحث العلمي، والمساهمة في إدماج الأمازيغية داخل المدرسة والإعلام والإدارة والحياة الثقافية. ولا شك أن هذا التوجه، شكل محطة مهمة في مسار الاعتراف بالتعدد الثقافي الذي يميز المملكة.
ولا ينبغي أن يكون هناك أي خلاف حول هذه الحقيقة؛ فالأمازيغية ليست ثقافة فئة دون أخرى، وإنما هي رصيد مشترك لجميع المغاربة، تماما كما أن العربية، والحسانية، والروافد الإفريقية والأندلسية والمتوسطية، تشكل جميعها مكونات للهوية المغربية كما نص على ذلك دستور المملكة.
لكن الاعتراف بالمؤسسات لا يعني إعفاءها من المساءلة، ولا يجعلها فوق النقاش العمومي.
فالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مؤسسة عمومية تمول من المال العام، وتشتغل بموارد بشرية وميزانية تخصصها الدولة، وبالتالي فمن الطبيعي أن يتساءل المواطن المغربي، بكل احترام وهدوء: ما هي الحصيلة التي راكمها هذا المعهد منذ تأسيسه؟ وما هي المشاريع التي أنجزها؟ وما أثرها الفعلي على المدرسة المغربية، وعلى البحث العلمي، وعلى الإنتاج الثقافي، وعلى حضور الأمازيغية في الحياة العامة؟
هذه ليست أسئلة ضد الأمازيغية، بل هي أسئلة في صميم الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالمغاربة من حقهم أن يطلعوا بشكل دوري على تقارير مفصلة تبين ما أُنجز، وما تعثر، وما هي الأهداف المستقبلية، تماما كما يحدث مع مؤسسات عمومية أخرى، تقدم حصيلتها للرأي العام. فالشفافية لا تضعف المؤسسات، بل تمنحها مزيدا من المصداقية والثقة.
ومن جهة أخرى، يطرح هذا النقاش سؤالًا يرتبط بفلسفة إحداث المؤسسات الثقافية العمومية: فإذا كانت الدولة، قد أحدثت مؤسسة تُعنى بأحد مكونات الهوية الوطنية، فما هي المعايير التي تعتمدها في إحداث مثل هذه المؤسسات؟ وهل تتجه هذه المقاربة إلى إحداث مؤسسات مماثلة، تعنى بروافد ثقافية أو لغوية أخرى، أم أن الأمر يرتبط بخصوصية تاريخية ودستورية محددة؟ إن طرح مثل هذا التساؤل يندرج في إطار النقاش العمومي المشروع حول السياسات الثقافية، ولا ينبغي أن يُفهم بأي حال من الأحوال على أنه تشكيك في قيمة أي مكون من مكونات الهوية المغربية.
هذا سؤال مشروع في إطار النقاش العمومي، لكنه ينبغي أن يناقش بعيدا عن منطق الاصطفاف أو التقابل بين مكونات الهوية الوطنية. فالمغرب لم يبن وحدته على إلغاء التنوع، بل على احتضانه داخل إطار جامع هو الدولة المغربية، التي ظلت عبر قرون تستوعب مختلف الروافد الثقافية واللغوية.
ولذلك، فإن النقاش الحقيقي، ليس حول قيمة هذا المكون أو ذاك، وإنما حول كيفية تدبير المؤسسات العمومية التي تعنى بهذه المكونات، ومدى نجاعتها في تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها.
إن المغاربة، سواء كانوا ناطقين بالأمازيغية أو بالعربية أو بغيرهما، يشتركون في حق واحد لا يقبل الجدل، وهو معرفة كيفية صرف المال العام، وما إذا كانت المؤسسات العمومية تحقق النتائج المرجوة منها.
فالمساءلة لا تستهدف الأشخاص ولا الهويات، وإنما تستهدف الأداء.
ومن هذا المنطلق، سيكون من المفيد أن يحرص المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، على نشر حصائله السنوية بصورة مبسطة ومفصلة، تتضمن المشاريع المنجزة، والأبحاث المنشورة، والبرامج المنفذة، والشراكات العلمية، ومؤشرات الأثر، حتى يكون الرأي العام على بينة من عمل مؤسسة تحظى بمكانة دستورية ورمزية مهمة.
إن تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات يمر عبر الشفافية، وليس عبر ترك المجال للتأويلات أو الأسئلة التي تبقى دون جواب.
وفي النهاية، يبقى المغرب أكبر من كل النقاشات الضيقة؛ فهو وطن يتسع لجميع أبنائه، وجميع روافده الثقافية، دون تمييز أو إقصاء. وما يقوي هذا الوطن ليس تجنب طرح الأسئلة، وإنما الجرأة في طرحها بأدب، والإجابة عنها بوضوح، لأن المؤسسات العمومية، أيا كانت طبيعتها، لا تزداد قوة إلا عندما تجعل من الشفافية والمحاسبة ثقافة يومية، ومن التواصل مع المواطنين واجبا لا تفضلا.




