الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

بين حلم الغربة وواقع البناء: حين يتحول تشييد البيت في المغرب إلى اختبار للصبر والثقة

عبد الإله بوسيف/ ألمانيا

بعد سنوات من الكدّ والعمل هنا بالديار الألمانية، وجدت نفسي أعود بالفكر والحنين إلى وطني الأم المغرب. لم يكن الأمر مجرد شوق عابر، بل تحوّل إلى مشروع حياة: أن أبني شيئاً بيدي، أن أستثمر، أن أخلق فرصة عمل، وأن أعود في نهاية المطاف للاستقرار بين أهلي. هكذا بدأت الفكرة، بسيطة في ظاهرها، كبيرة في عمقها.

اقتنيت بقعة أرضية بمدينة شاطئية هادئة قرب الرباط، قطعة أرض رأيت فيها أكثر من مجرد تراب… رأيت فيها مستقبلي. ومع أول يوم انطلقت فيه أشغال البناء، أدركت أنني دخلت عالماً آخر.

في ذلك اليوم، لم أعد ذلك المهاجر الذي جمع ماله بصبر في الغربة، بل تحولت فجأة إلى “مدير مشروع” دون تكوين، ودون تجربة، ودون دليل واضح. بدأت أتعلم لغة جديدة بالكامل: المتر الطولي، القنوات الكهربائية، الخرسانة المسلحة، العربون… وعبارة واحدة تتكرر أكثر من غيرها: “غداً إن شاء الله”.

ومع الوقت، فهمت أن هذه العبارة ليست مجرد وعد… بل مفتاح لمتاهة طويلة.

في الورش، الزمن لا يُقاس بالساعات ولا بالأيام، بل بالوعود. كل شيء مؤجل، وكل شيء قابل للتغيير، وكأن الوقت نفسه يصبح مادة لينة في يد الحرفيين.

لم أتعامل مع حرفي واحد، بل مع نماذج مختلفة. بعضهم يمتلك مهارة حقيقية، وبعضهم يجتهد بصدق، وآخرون يشتغلون بمنطق “دبّر راسك”. لم أجد شيطاناً ولا ملاكاً، بل وجدت أبناء واقع كامل: اقتصاد غير مهيكل، تكوين مهني ناقص، وسوق لا يعترف كثيراً بالعقود أو الالتزامات.

أغلبهم تعلم المهنة بالممارسة، لا بالدراسة. يعرف كيف يبدأ العمل، لكن لا يعرف دائماً كيف ينهيه. وهنا تبدأ المعاناة الحقيقية.

أصعب لحظة عشتها في هذا المشروع لم تكن صبّ الأساسات ولا رفع الجدران، بل لحظة تسليم “العربون”. في تلك اللحظة، لم أكن أسلّم المال فقط، بل كنت أسلّم جزءاً من ثقتي. أما الحرفي، فكان يأخذ المال ومعه مسؤولية قد لا يدرك ثقلها.

لكن كل ذلك كان يتم بلا عقد، بلا جدول زمني، بلا ضمانات… فقط كلام وابتسامة وعبارة: “توكل على الله”.

وهنا تبدأ المخاطرة.

دفعت أحياناً نسباً كبيرة قبل أن أرى نتائج واضحة، ومع كل دفعة كنت أشعر أن الثقة تصبح أكثر هشاشة. بعض الحرفيين كانوا يبدؤون العمل بحماس، ثم يختفون فجأة. هاتف لا يُرد عليه، مواعيد تتأجل، ووعود تتبخر.

أتذكر جيداً أحدهم، بدأ العمل يوم الاثنين، وفي منتصف الأسبوع اختفى. بعد أيام وجدته في ورش آخر. لم يكن نصاباً، ولم يسرقني، لكنه ببساطة تركني مع عمل غير مكتمل… وأسئلة معلقة.

مع مرور الوقت، فهمت أن كثيراً من حالات “الهروب” لا تكون بنية سيئة منذ البداية. أحياناً يكون السبب سوء تقدير. الحرفي يقبل العمل بثمن منخفض، ثم يكتشف أن التكاليف ارتفعت، وأن الجهد أكبر مما توقع، وأن الربح يتبخر. فيتردد… ثم يؤجل… ثم يختفي.

لكن بالنسبة لي، النتيجة واحدة: تأخير، ضغط، وخيبة أمل.

أكثر ما أقلقني كان عمل الكهرباء. كل شيء يختفي داخل الجدران، ولا يظهر للعين. لا أستطيع تقييم الجودة، ولا أعرف إن كان العمل آمناً أم لا. الخطأ هنا لا يظهر فوراً، بل قد يظهر بعد شهور أو سنوات. وحين يغيب الكهربائي قبل إتمام العمل، لا يترك فقط فراغاً… بل يترك قلقاً داخل الجدران.

أما “ثقافة غداً”، فقد استنزفتني نفسياً. اليوم يعني ربما، وغداً يعني احتمال، والأسبوع القادم يعني وعداً مفتوحاً. ومع تكرار التأجيل، يتحول الأمر إلى نوع من الضغط الصامت، ضغط لا يُرى لكنه يُتعب.

مشروع كان يفترض أن ينتهي في شهرين امتد لأشهر طويلة. ومع كل تأخير، كنت أشعر أن الحلم يتآكل قليلاً.

بناء البيت لم يكن تجربة مالية فقط، بل كان معركة نفسية. بين الميزانية التي تضغط، والوقت الذي يهرب، والقرارات الصغيرة التي تتراكم، والثقة التي تُختبر كل يوم.

كل حرفي يغادر دون إتمام عمله كان يترك أثراً… ليس في البناء فقط، بل في داخلي.

ومع الوقت، أدركت أن المشكلة ليست فردية، بل هي نتيجة منظومة كاملة: غياب العقود، ضعف التتبع، غياب تقييم مهني واضح، وسوق يسمح للبعض أن يبدأ من جديد في كل مرة دون محاسبة.

لكن، وبكل صراحة، نحن أيضاً نتحمل جزءاً من المسؤولية. نرفض العقود بدعوى الثقة، ندفع عربوناً كبيراً خوفاً من ضياع الفرصة، ونبحث عن الأرخص لأن الميزانية محدودة. ثم نصطدم بالواقع.

تعلمت أن الثقة وحدها لا تكفي.

يقال إن كل بيت يُبنى مرتين: مرة في الواقع، ومرة في الدروس التي يتعلمها صاحبه. وأنا بنيت بيتي فعلاً مرتين… مرة بالحجر، ومرة بالتجربة.

تعلمت أن أوثق كل شيء، أن أجزئ الدفعات، أن أطلب التزامات واضحة، وأن أكون حذراً دون أن أفقد إنسانيتي.

وفي يوم من الأيام، بعد كل الضجيج والتأخير والتوتر، جاء يوم هادئ. لم يحدث فيه شيء استثنائي. فقط عامل أنهى تركيب آخر مفتاح كهربائي. ضغط عليه… فاشتعل الضوء لأول مرة داخل الغرفة.

في تلك اللحظة، لم أفكر في كل المشاكل التي مررت بها، ولا في كل من خذلني، ولا في الأشهر التي ضاعت.

فكرت فقط أن البيت أصبح مضاءً.

ليس لأن كل شيء كان مثالياً… بل لأنني تعلمت كيف أحمي حلمي وأنا أبنيه.

وهذه، فعلاً، كانت أصعب مهمة في كل الرحلة.

دون مبالغة، كثيرون من الحرفيين، علمونا أمراً لا يمكن إنكاره… علمونا، عن قصد أو غير قصد، أن لا نثق فيهم. قد تبدو عبارة قاسية، لكنها خلاصة تجربة طويلة، واحتكاك يومي بتفاصيل صغيرة صنعت هذا الإحساس الكبير. هي حقيقة مُرّة، ثقيلة على النفس، وربما لهذا السبب بالذات لا أجد نفسي قادراً على كتابتها باللغة الألمانية… لأن وقعها هناك سيكون أشد، ولأنها هنا، في هذا الوطن، تُقال بحزن أكثر مما تُقال بغضب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.