الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائية

بين روايتين.. حين تتحول التفاصيل إلى ساحة المعركة القضائية

ضربة قلم

في قاعة المحكمة، لم تكن الجلسة مجرد محطة عابرة في مسار قضية مثقلة بالتفاصيل، بل تحولت إلى لحظة مواجهة مباشرة بين روايتين: واحدة تقول “حدث”، وأخرى تردّ بهدوء: “أثبتوا”.

المحامي أشرف الجدوي، اختار أن لا يخوض المرافعة بلغة الانفعال، بل نسج خيط دفاعه من معطيات تقنية ووثائق، قال إنها لا تترك مجالًا كبيرًا للتأويل. القضية التي تُتداول إعلاميًا تحت اسم “إسكوبار الصحراء” حضرت بكل ثقلها، لكن الدفاع حاول تفكيكها قطعة قطعة، بدل مواجهتها دفعة واحدة.

أول خيط بدأ من تاريخ محدد: 17 دجنبر 2012. هنا، يتمسك الطرف المشتكي برواية لقاء جمعه بسعيد الناصيري بحضور عدة أشخاص، من بينهم الفنانة لطيفة. دفاع الناصيري لم ينفِ فقط، بل ذهب أبعد من ذلك، معتبرا أن هذه الرواية تعاني من “تصدعات داخلية”.

بحسب ما قُدم أمام المحكمة، فإن معطيات تقنية مرتبطة بتتبع الهاتف، تشير إلى تموقع الناصيري بالقرب من مسكن الفنانة لطيفة في ذلك اليوم، لكن دون أي دليل يربطه بحضور اللقاء المذكور. الفارق هنا، كما لمح الدفاع، بين “قرب المكان” و”وقوع الحدث”، وهو فارق لا يُختصر بالتخمين.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. الدفاع أضاف طبقة أخرى من المعطيات: التزامات رسمية داخل مجلس النواب في نفس التاريخ، إلى جانب تسجيل إقامة موثق بأحد فنادق الدار البيضاء. وثائق الحجز، حسب المرافعة، ليست تفاصيل هامشية، بل عناصر زمنية تضيق هامش الشك وتضع الرواية المقابلة تحت المجهر.

أما الشهادات، فقد جاءت كأنها لا تسير في اتجاه واحد. خادمة تُدعى فاطمة تحدثت عن زيارة سابقة، لكنها نفت وقوعها في التاريخ الحاسم. زوجة أحد الأسماء الواردة في الرواية تحدثت عن غياب أشخاص قيل إنهم حضروا. والفنانة لطيفة نفسها نفت أن تكون قد التقت الناصيري في ذلك اليوم. أمام هذا التباين، اعتبر الدفاع أن الشهادات لا تعزز الرواية الأصلية، بل تفرغها من انسجامها.

في الشق المرتبط بالاتهامات الأثقل، تساءل الدفاع عن منطق الحديث عن اتفاقات كبرى دون تحديد دقيق للزمان والمكان. كيف يمكن، بحسب طرحه، بناء ملف على وقائع غير مدعومة بقرائن تقنية واضحة، خاصة في زمن تُعتبر فيه بيانات التتبع الرقمي عنصرًا حاسمًا؟

وبنبرة لا تخلو من تشكيك، تطرق الدفاع إلى معطى شحنة مزعومة بلغت 49 طنا، مشيرًا إلى أن الجهات البحرية المغربية، لم تسجل أي أثر لها، بينما ظهرت القصة من مصدر مرتبط بشخص معتقل خارج البلاد. هنا، بدا التساؤل أقرب إلى طعن في منطق الرواية أكثر من كونه مجرد تفصيل جانبي.

الجانب المالي بدوره لم يسلم من التفكيك. ما قُدم كإيداعات “مشبوهة” بقيمة 89 مليون درهم، أعاد الدفاع تأطيره كحركة مالية داخل حساب جارٍ، حيث تدخل الأموال وتخرج في نفس اليوم، دون أن يشكل ذلك دليلًا تلقائيًا على نشاط غير قانوني. ولتعزيز هذا الطرح، تم عرض وثائق بنكية، من بينها معطيات صادرة عن بنك أفريقيا، تُظهر مسارات تحويلات مرتبطة بجمعية وشركة الوداد البيضاوي، بمبالغ قال الدفاع إنها واضحة المصدر والوجهة.

في نهاية المطاف، لم يحاول الدفاع تقديم رواية بديلة، بقدر ما سعى إلى زعزعة الرواية القائمة. الرسالة كانت واضحة: حين تتضارب الأقوال، وتغيب الدقة، وتُترك الأسئلة الكبرى دون أجوبة تقنية حاسمة، يصبح الشك عنصرًا مشروعًا داخل النقاش القضائي.

الكلمة الأخيرة، كما شدد الدفاع، ليست للمرافعات ولا للروايات المتداولة، بل للقضاء وحده. هناك فقط، حيث تُوزن الأدلة بميزان القانون، يمكن أن تتحدد الحقيقة… أو على الأقل، أقرب نسخة ممكنة منها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.