بين “ريع الدراسات” وخطاب الإصلاح: حين يعود الواعظ من بوابة الذاكرة المثقوبة

ضربة قلم
الجدل لم يكن قضائياً، ولم تصدر أحكام، لكنه كان سياسياً وأخلاقياً بامتياز.
السؤال كان بسيطاً: هل يليق بمن يتحدث باسم الإصلاح أن يظل صامتاً أمام أسئلة تتعلق بالشفافية؟
وقتها، قيل إن الردود كانت خجولة، وإن الصور مع القيادات الحزبية، حضرت أكثر من التوضيحات التفصيلية. مرت العاصفة، كما تمر كثير من العواصف في سماء السياسة المغربية: ضجيج في البداية، ثم صمت… ثم نسيان جماعي مريح.
لكن الذاكرة، مهما قيل عنها قصيرة، لا تُمحى بالكامل.
واليوم، يعود الرجل في فيديو جديد يتحدث فيه عن الإصلاح، عن الحكومة، عن الأعطاب البنيوية، عن ضرورة تخليق الحياة العامة… بنبرة من يكتشف فجأة أن البلاد تحتاج إلى منقذ.
المفارقة ليست في حقه في الكلام – فالكلام حق مكفول للجميع –
بل في التحول السريع من موقع المُساءل إلى موقع الواعظ.
في السياسة المغربية، يبدو أن الزمن ليس خطاً مستقيماً، بل دائرة.
تخرج من باب الجدل… لتدخل من نافذة الإصلاح.
تصمت حين تُطرح الأسئلة… ثم تتكلم حين تتغير الموازين.
المشكلة ليست في شخص بعينه، بل في ظاهرة أوسع:
نحن أمام جيل سياسي، لا يرى في الذاكرة العامة سوى تفصيل عابر،
ولا يرى في المساءلة، سوى مرحلة مؤقتة، يمكن تجاوزها بالصبر أو بالتحالفات.
السؤال ليس: هل يحق له أن يتحدث؟
بل: هل يحق للسياسة أن تنسى بهذه السهولة؟
إذا كان الإصلاح خطاباً، فهو قبل ذلك سلوك.
وإذا كانت الشفافية مطلباً، فهي تبدأ من الذات قبل المنصة.
أما أن تتحول كل أزمة إلى مجرد سحابة صيف، وكل جدل إلى محطة عابرة، في مسار طموح سياسي، فهنا تصبح السخرية أقل قسوة من الواقع نفسه.
في النهاية، لا أحد يمنع أحداً من العودة إلى الواجهة.
لكن العودة إلى الضوء لا تعني أن الظلال اختفت.
والسياسة، إن لم تُصالح ذاكرتها، ستظل تعيد إنتاج المشهد نفسه… بأبطال مختلفين، وخطابات متشابهة، ووعود لا تنتهي.




