الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

رياضةمجتمع

بين زمن الامتحان وزمن الفرح: حين تلتقي المدرسة بالملعب

ضربة قلم

قرار وزارة التربية الوطنية، بتأجيل الامتحان الموحد المحلي، وفروض المراقبة المستمرة، تزامنًا مع نهائي كأس أمم إفريقيا، لا يمكن قراءته فقط باعتباره، إجراءً إداريًا تقنيًا، بل هو مؤشر دال، على تحوّل أعمق، في طريقة تعاطي الدولة، مع الزمن المدرسي، حين يتقاطع مع الزمن الوطني الجامع.

لأول مرة تقريبًا، تعترف المؤسسة التربوية، رسميًا، بما يعرفه الجميع ضمنيًا: أن المدرسة ليست جزيرة معزولة عن المجتمع، وأن التلميذ ليس آلة امتحان، بل كائن يتأثر بالمحيط، بالفرح الجماعي، وبالأحداث التي تشغل الوجدان العام. فالنهائي القاري ليس مجرد مباراة كرة قدم، بل لحظة وطنية كثيفة الرمزية، تحضر فيها الهوية، والانتماء، والشعور الجماعي بالإنجاز.

من هذا المنطلق، يبدو قرار التأجيل، محاولة لتفادي وضع التلميذ، في معادلة مستحيلة: إما التركيز على ورقة امتحان، في صباح يوم مشحون عاطفيًا، أو الانخراط الوجداني، في حدث يعيشه الوطن بكامله. والوزارة، باختيارها تعديل البرمجة، تكون قد انحازت – نظريًا على الأقل – إلى مبدأ “الظروف العادية للاجتياز”، وهو مبدأ ظل حاضرًا في الخطاب الرسمي، لكنه نادرًا ما يُفَعَّل حين تتقاطع الاعتبارات البيداغوجية مع وقائع الواقع.

غير أن هذا القرار، رغم وجاهته الظرفية، يفتح الباب أمام نقاش أوسع:
هل نحن أمام مرونة مؤسساتية محمودة، أم أمام سابقة قد تُستعمل مستقبلًا ،لتبرير تأجيلات أخرى، تحت ضغط أحداث مختلفة؟
وهل المدرسة تتفاعل مع المجتمع بذكاء، أم أنها تساير المزاج العام، حين يعجز التخطيط المسبق عن استيعاب، حدث كان معروفًا منذ سنوات؟

في العمق، ما حدث يكشف عن هشاشة الزمن المدرسي نفسه، وعن صعوبة ضبط رزنامته في سياق وطني، صار يعرف تراكبًا مستمرًا بين التظاهرات الرياضية، والمواعيد السياسية، والالتزامات الاجتماعية. فالامتحانات، التي يفترض أن تكون محطات مستقرة ومحصنة، وجدت نفسها مضطرة، للتكيف مع حدث رياضي، ما يعكس حجم التأثير، الذي باتت كرة القدم تمارسه في الوعي الجماعي، خصوصًا لدى فئة التلاميذ.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل البعد الإيجابي للقرار. فالاعتراف بحق التلميذ في الفرح، وفي عيش لحظة وطنية دون قلق امتحاني، يحمل بعدًا تربويًا غير مباشر. المدرسة هنا لا تُربي فقط على التحصيل، بل – ولو بشكل غير مقصود – على الانتماء، وعلى الإحساس بأن النجاح الرياضي الوطني، ليس حدثًا هامشيًا، بل جزء من السردية الجماعية، التي ينشأ داخلها المتعلم.

كما أن التفاعل السريع مع مقترح الفريق البرلماني، يعكس تناغمًا نادرًا بين المؤسسة التشريعية والتنفيذية، ويُظهر أن القرار التربوي، لم يعد يُصنع في فراغ، بل تحت تأثير نقاش عمومي، وضغط اجتماعي مشروع.

في المحصلة، تأجيل الامتحانات لا يعني انتصار الكرة على القلم، بقدر ما يعكس لحظة توازن مؤقت بين العقل والعاطفة، بين الانضباط الدراسي والفرح الوطني. التحدي الحقيقي سيبقى، بعد انقضاء أجواء النهائي، في ضمان ألا تتحول هذه المرونة إلى ارتباك، وألا يدفع الزمن المدرسي ثمن كل حدث استثنائي.

فالمدرسة، في النهاية، مطالبة بأن تُدرّس الواقع… دون أن تذوب فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.