الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

بين “سخونة الرأس” و”برودة الضمير”: كم زعيمًا سياسيًا ينتظر دوره أمام القاضي؟

ضربة قلم

في المغرب، يبدو أن العدالة أحيانًا تمشي بعكاز، وأحيانًا أخرى تركض كعدّاء ماراطون… لكن في اتجاه واحد فقط.
نستيقظ على خبر محاكمة الأستاذ محمد زيان، نقيب سابق ومحامٍ جاور الثمانين، بتهمة تتعلق بالدعم العمومي لحزب سياسي قبل سنوات. وبين سطور البلاغات، يخيل لك أن التهمة الحقيقية ليست “تبديد أموال الدعم”، بل “سخونة الرأس”؛ تلك التهمة غير المدرجة في القانون، لكنها حاضرة في المزاج العام.

ولكي لا نبقى أسرى العاطفة، دعونا نقارن بهدوء… لا بالأرقام، بل بالمنطق.

حالة فرد… في مواجهة مؤسسة

محمد زيان، ليس مجرد اسم عابر في سجل المحاكم. هو نقيب سابق لهيئة المحامين بالرباط، ومحامٍ سبق أن دافع عن الدولة نفسها، قبل أن يجد نفسه في قفص الاتهام، بسبب دعم عمومي يعود لسنوات خلت.

الفكرة هنا ليست الدفاع عن الرجل أو الطعن في مسار القضاء، بل طرح سؤال بسيط:
هل نحن أمام محاسبة مبدئية، تشمل الجميع؟ أم أمام نموذج انتقائي، يُشهر في وجه من ارتفع صوته، أكثر مما يجب؟

تقرير يكشف… ولا يتهم أحدًا بالاسم

المجلس الأعلى للحسابات أصدر تقريرًا سنويًا، يتحدث عن ملايين من الدراهم من الدعم العمومي، التي أُعيدت، وأخرى لم تُعد، وأخرى لم تُبرر، وأخرى صُرفت خارج ما خُصصت له.

التقرير لم يكن سياسيًا، ولم يصرخ، ولم يتهم أحدًا بالـ”سخونة”.
كان باردًا… محاسباتيًا… جافًا… لكنه ثقيل الدلالة.

ما الذي نفهمه من هذا؟
أن الأمر لا يتعلق بحالة استثنائية.
وأن المسألة ليست حادثًا فرديًا، بل ظاهرة ممتدة عبر سنوات وانتخابات متتالية.

المقارنة التي تؤلم

لنضع الأمر في ميزان بسيط:

  • شخص واحد يُتابع جنائيًا بسبب دعم عمومي قديم.

  • في المقابل، عشرات التنظيمات السياسية اعترفت، أو ثبت، وجود مبالغ غير مبررة، أو غير مسترجعة.

السؤال ليس: من أخطأ؟
السؤال هو: كم زعيمًا سياسيًا، يجب أن يحاكم، إذا طبقنا نفس المعيار؟

هل نحتاج إلى قاعة محكمة بحجم ملعب كرة قدم؟
أم سنكتفي بمقولة: “الظروف تختلف”؟

السخرية هنا مرة. لأن القانون في جوهره، لا يحب الاستثناءات. إما أن يكون عامًا، أو يصبح رأيًا.

حين تصبح السياسة مسرحًا

المشهد يبدو أحيانًا، كأنه مسرحية عبثية:

  • تقارير رسمية توثق اختلالات.

  • أحزاب تعيد جزءًا من الأموال.

  • أخرى تتأخر.

  • وبعضها يلتزم الصمت.

  • ثم يظهر ملف فردي يتحول إلى قضية رأي عام.

المشكلة ليست في المحاكمة، بحد ذاتها؛ فالمحاسبة مطلوبة.
المشكلة في الإيقاع… وفي الانتقائية المحتملة… وفي الرسالة التي تصل إلى الرأي العام.

هل الرسالة هي: “لا أحد فوق القانون”؟
أم: “انتبه لما تقول أكثر، مما تنتبه لما تصرف”؟

مرآة أخلاقية قبل أن تكون قانونية

لو طبقنا منطق “المسؤولية السياسية” كما هو في الديمقراطيات الراسخة، لكانت التقارير المالية، كافية لفتح نقاش وطني واسع، وربما استقالات جماعية، أو على الأقل مراجعات داخلية عميقة.

لكن في حالتنا، يبدو أن السياسة تتقن فن التكيف:

  • تُعيد بعض الأموال…

  • تُصدر بلاغًا مقتضبًا…

  • وتنتظر أن تمر العاصفة.

بينما الفرد، حين يُحاصر، لا يملك ترف الانتظار.

السخرية المبكية

المؤلم في كل هذا، ليس فقط الأرقام أو المحاكمات.
المؤلم هو الإحساس العام، بأن العدالة قد تُرى أحيانًا، كأداة ضبط سياسي، لا كميزان متساوٍ.

فإذا كانت “سخونة الرأس” تهمة مستترة،
فهل “برودة الضمير الجماعي” عذر مخفف؟

وإذا كان الدعم العمومي أمانة،
فالأمانة، لا تتجزأ حسب الموقع أو درجة الصوت.

الخلاصة التي لا تُضحك

كم زعيمًا سياسيًا يجب أن يُحاكم؟
الجواب ليس رقمًا.
الجواب مبدأ: كل من ثبت في حقه، نفس الفعل، وبنفس المعايير.

إن كانت المحاسبة شاملة، فهي عدل.
وإن كانت انتقائية، فهي رسالة سياسية، أكثر منها إجراء قضائي.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا فوق المشهد المغربي:
هل نحن أمام لحظة تأسيس، لعدالة صارمة على الجميع؟
أم أمام فصل جديد، من مسرح “اضبط الصوت… ودع الباقي يمر”؟

السخرية هنا ليست للضحك.
إنها ضحكة قصيرة تخفي حسرة طويلة.

يبقى القول الفصل للقضاء، وتبقى التقارير الرقابية، مرجعًا موضوعيًا، بينما يظل النقاش العمومي، مشروعًا حول توحيد المعايير في تدبير المال العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.