بين شرف الصحافة.. ودعارة تُمارس باسمها

ضربة قلم
هناك مهن تُمارس من أجل الراتب، ومهن تُمارس من أجل الشهرة، ومهن تُمارس، لأن صاحبها وجد نفسه فيها، وهناك مهنة غريبة جداً اسمها الصحافة…
مهنة يمكن أن تجعل صاحبها فقيراً، وهو يؤدي واجبه، ويمكن أن تجعله مشهوراً وهو يطارد الحقيقة، ويمكن ـ وهذه هي المفارقة التي تستحق أن تُروى في مسلسل كوميدي طويل ـ أن تجعل شخصاً آخر ثرياً جداً، وهو لا يطارد الحقيقة إطلاقاً، وإنما يطارد من يدفع أكثر!
الصحافة، في أصلها، ليست نزهة.
في الحروب، هناك صحفيون يحملون الكاميرا بدل البندقية، ويدخلون إلى الأماكن التي يهرب منها الآخرون.
هناك من سقطوا وهم ينقلون الحقيقة.
هناك من فقدوا حياتهم، لأنهم أرادوا أن يقولوا للعالم، ماذا يحدث خلف الدخان والركام.
هناك صحفيون دفعوا ثمناً باهظاً، لأنهم رفضوا أن يكونوا شهود زور على التاريخ.
وهناك، في الجهة المقابلة تماماً، كائنات قررت أن تختصر الطريق:
لماذا نذهب إلى الحرب إذا كان بإمكاننا أن نربح من الحرب ونحن جالسون في المكيف؟!
وهكذا، ظهر لنا نوع جديد من الصحافة:
صحافة، لا تحتاج إلى قلم.
ولا تحتاج إلى تحقيق.
ولا تحتاج إلى وثيقة.
ولا حتى إلى خبر!
تحتاج فقط إلى أذن كبيرة تعرف من أين تأتي الموسيقى… وجيب يعرف من أين تأتي الدراهم!
وهنا تبدأ الحكاية.
الصحفي الذي يموت من أجل الحقيقة… والصحفي الذي يجعل الحقيقة تموت من أجله!
يا لها من مهنة عجيبة!
صحفي في مكان ما من العالم يركض تحت القصف، بحثاً عن معلومة.
وصحفي آخر يركض في مكان آخر، بحثاً عن صاحب المعلومة، لا المعلومة نفسها.
الأول يسأل:
ماذا حدث؟
والثاني يسأل:
من سيدفع ثمن أن أقول ماذا حدث؟
الأول، يخاف على حياته.
والثاني، يخاف فقط من أن ينقطع عنه الهاتف!
الأول، يضع الخوذة الواقية.
والثاني، يضع الخوذة السياسية.
الأول، يحمل بطاقة الصحافة.
والثاني، يحمل دفتر أرقام الهواتف.
والفرق بينهما كبير جداً.
الأول، يريد أن يعرف الحقيقة.
والثاني يريد أن يعرف من يملك الحقيقة ومن يملك المال ومن يملك القدرة على تحويل الحقيقة إلى شيك!
ولذلك، لا تستغربوا إذا وجدتم في عالم الصحافة، أشخاصاً يستطيعون كتابة مقال عن الفقر صباحاً، ثم تناول غداء فاخر مع أحد الذين يتسببون في الفقر ظهراً، ثم كتابة مقال عن “العدالة الاجتماعية” مساءً!
هذه ليست ازدواجية.
هذا اسمه عند بعضهم:
المرونة المهنية!
وإذا اشتد عليهم النقد، قالوا لك:
“نحن مستقلون!”
طبعاً مستقلون!
مستقلون عن الحقيقة!
لكنهم مرتبطون جداً بمصالح أخرى!
جيش عرمرم… والكل صحفي!
المشكلة ليست في الصحفي الذي يمارس المهنة، بل في الصحفي الذي يمارس الارتزاق باسمها.
المشكلة في الازدحام.
كل من اشترى هاتفاً، أصبح صحفياً.
كل من فتح صفحة على “فيسبوك” أصبح مدير نشر.
كل من تعلم كتابة ثلاث جمل، أصبح محللاً.
كل من عرف كيف يصور “لايف”، أصبح مراسلاً.
وكل من استطاع أن يضع ميكروفوناً، أمام وجه مسؤول، أصبح فجأة:
“الإعلامي الكبير”!
ثم يأتيك واحد، لا يعرف الفرق بين الخبر والرأي، فيقول لك:
“أنا صحفي.”
تسأله:
— أبن مارست الصحافة؟
يجيب:
— فاليوتيوب، أو الفيسبوك!
تقول:
— وعندك بطاقة صحافة؟
يقول:
— لا.
— عندك مؤسسة إعلامية؟
— لا.
— عندك تحرير؟
— لا.
— عندك مصادر؟
— عندي المتابعين!
آه!
المتابعين!
وهنا انتهى النقاش.
لقد دخلنا عصراً، أصبح فيه عدد المتابعين أهم من عدد المصادر، وعدد المشاهدات أهم من عدد الحقائق، وعدد المشاركات أهم من عدد الوثائق.
وهكذا أصبح بعض الناس يتعاملون مع الصحافة، كما يتعامل آخرون مع “التيك توك”:
شوف شنو عندي… وعطيني لايك!
الصحافة أم “البارميطة”؟
لكن أكثر الأنواع إثارة للشفقة ـ والضحك في الوقت نفسه ـ هو ذلك الصحفي الذي لا يملك موقفاً ثابتاً إلا موقفاً واحداً:
الموقف الذي يضعه أمام الجهة التي تدفع!
هذا النوع يمكن تسميته، من باب المجاز طبعاً:
“صحفي البارميطة”.
البارميطة تدور.
وهذا يدور.
البارميطة، تدخل وتخرج من الفم.
وهذا، يدخل ويخرج من المواقف.
البارميطة، لا تسأل أين الحفلة.
وهذا، لا يسأل أين الحقيقة.
المهم أن يكون هناك من يدفع.
اليوم مع هذا.
غداً مع ذاك.
بعد غد مع ثالث.
وبعدها يخرج علينا بمقال بعنوان:
“موقفي ثابت ولا يتغير!”
نعم.
ثابت جداً!
الثابت الوحيد هو الحساب البنكي!
أما الموقف السياسي والمهني، فالله أعلم أين ذهب!
وهناك من أتقن “رقصة البوط”
وهنا نصل إلى مستوى آخر من المهارة.
هناك من لا يكتفي بالكتابة أو التعليق لمن يدفع، وإنما يملك قدرة عجيبة على تغيير إيقاعه بحسب الموسيقى.
إذا كانت الموسيقى هادئة، كتب بهدوء.
إذا ارتفع الصوت، ارتفع معه.
إذا دُق الطبل، بدأ الطبل.
إذا نفخت الغيطة، نفخ معها.
وإذا بدأت الفرقة في الرقص…
وجدته في الصف الأول!
وهنا، مع كامل الاحترام للفنون الشعبية، لا بد أن نفرق بين “رقصة البوط” كرقصة شعبية لها سياقها الثقافي، وبين استخدامها مجازاً، لوصف صحفي يبالغ في التملق.
لأن الصحافة، ليست رقصة.
والصحفي، ليس راقصاً مأجوراً.
والقلم ليس “بوطاً” ينتظر من يدفع له، كي يبدأ بالتحرك!
لكن بعضهم، مع الأسف، جعل من التطبيل مهنة.
ومن التملق اختصاصاً.
ومن تغيير المواقف تخصصاً دقيقاً!
من الميكروفون إلى الثراء الفاحش
والأغرب أن بعض هؤلاء، لم يكتفوا بأن يعيشوا من المهنة.
بل تحولوا، بعد سنوات من الجولات المكوكية بين مراكز النفوذ، إلى أصحاب ثروات تجعل الصحفي الحقيقي، ينظر إلى دفتر شيكاته ثم يسأل نفسه:
“واش أنا صحفي ولا أنا كنت كنخدم فجمعية خيرية؟!”
صحفي، قضى أكثر من ثلاثين سنة يركض وراء الأخبار، لا يملك إلا حاسوبه.
وآخر قضى المدة نفسها، يركض وراء الشخصيات النافذة، فإذا به يخرج من الجولة وقد أصبح:
رجل أعمال!
مستشاراً!
صاحب علاقات!
صاحب نفوذ!
صاحب مشاريع!
وصاحب ذاكرة ضعيفة جداً تجاه السؤال البسيط:
“من أين لك هذا؟”
وهنا طبعاً تبدأ اللغة الجميلة:
“نجحت بفضل العمل.”
“استثمرت بفضل علاقاتي.”
“اشتغلت بجد.”
“أنا عصامي.”
جميل جداً.
لكن الصحفي الحقيقي أيضاً، يشتغل بجد!
والصحفي الذي يموت في مناطق النزاع، يشتغل بجد!
والصحفي الذي يعود إلى بيته في منتصف الليل، بعد تحقيق شاق يشتغل بجد!
فلماذا يصبح بعضهم مليونيراً من “الصحافة”، بينما يظل الآخرون، يكافحون حتى نهاية الشهر؟
هنا لا بد من طرح السؤال:
هل كان النجاح نتيجة الصحافة… أم نتيجة ما يحيط بالصحافة من علاقات ومصالح وصفقات ومواقع نفوذ؟
السؤال مشروع.
والجواب، بطبيعة الحال، يحتاج إلى وثائق لا إلى إشاعات.
أخطر شيء: أن يتحول القلم إلى “مكرفون”
القلم الحر، يستطيع أن يزعج الوزير.
ويزعج العامل.
ويزعج رئيس الحزب.
ويزعج رجل الأعمال.
ويزعج حتى الصحفي نفسه، عندما يكتشف أنه أخطأ.
أما القلم المرتزق، فلا يزعج أحداً.
لأنه يعرف جيداً، من أين تأتي التعليمات.
هو لا يكتب، لكي يسأل.
بل يكتب، لكي يرضي زبنائه.
لا يبحث عن الحقيقة.
يبحث عن المطلوب من الحقيقة.
وإذا كان المطلوب اليوم، مدح عامل أو مسؤول، مدحه.
وإذا كان المطلوب غداً مهاجمة أعداء أولياء نعمته، هاجمهم.
وإذا قيل له بعد غد:
“الرجل أصبح صديقنا.”
يعود ليكتب:
“لقد ظلمناه!”
وهكذا يصبح القلم، مثل سيارة أجرة:
الوجهة يحددها الزبون!
الصحافة ليست “غيطة”
الصحافة الحقيقية، ليست غيطة.
وليست طبلاً.
وليست مزماراً، يغير اللحن حسب اتجاه الريح.
الصحافة سؤال.
الصحافة وثيقة.
الصحافة تحقيق.
الصحافة مساءلة.
الصحافة أن تقول للمسؤول:
لماذا؟
ثم تقول له:
هات الدليل.
ثم تقول له:
هذا المواطن يقول عكس كلامك.
ثم تقول له:
وهذه الوثيقة تناقض تصريحك.
ثم تنتظر.
وتتحقق.
وتنشر.
أما الصحفي الذي يشتغل بمنطق:
“قولوا لي من تحبون، لأكتب عنه.”
فهذا ليس صحفياً بالمعنى النبيل للكلمة.
هذا، في أحسن الأحوال، مكبر صوت مستأجر!
والمفارقة الكبرى…
أن الصحافة التي دفع بعض أبنائها حياتهم ثمناً لها، أصبحت عند البعض وسيلة للعيش فوق الحقيقة.
هناك من دفنته الحرب، لأنه رفض أن يدفن الحقيقة.
وهناك من بنى لنفسه قصراً، لأنه دفن الحقيقة، تحت طبقات من التملق!
الأول مات فقيراً.
والثاني أصبح ثرياً.
الأول ترك وراءه اسمه.
والثاني ترك وراءه سؤالاً:
كيف أصبح غنياً؟
والفرق بين الاثنين، ليس في عدد السنوات التي قضياها في المهنة.
الفرق في شيء أبسط بكثير:
الأول كان يبيع وقته للصحافة… والثاني كان يبيع الصحافة نفسها!
وفي النهاية…
لن نتحدث عن أسماء بعينها.
ولن ندخل في حفلة تصفية الحسابات.
ولن نشير إلى هذا أو ذاك ممن تحولوا، بعد تقاعد مريح أو سنوات طويلة من الجولات بين أصحاب النفوذ، إلى منافسين شرسين حتى لأصغر المرتزقة، والأمثلة لا تعوز.
ولا نحتاج إلى أن نذكر المرأة التي يعرفها البعض، ولا أن نعيد فتح دفتر “رقصة البوط”.
فالقارئ الذكي، يعرف أن المقصود هنا ليس شخصاً بعينه، وإنما ظاهرة.
والظاهرة أخطر من الأشخاص.
لأن الشخص يذهب.
أما المرض فيبقى.
والمرض هنا، هو أن يصبح الصحفي مقتنعاً بأن مهمته ليست البحث عن الحقيقة، وإنما البحث عن أعلى سعر للحقيقة!
وهنا فقط، تصبح الصحافة مأساة حقيقية.
لأن المجتمع يحتاج إلى الصحفي، عندما يكذب الجميع.
ويحتاج إليه عندما يخاف الجميع.
ويحتاج إليه عندما تُخفى الوثائق.
ويحتاج إليه، عندما لا يجد المواطن من يسمعه.
فإذا وجد المواطن، أن الصحفي نفسه، أصبح يبحث عمن يدفع له كي يتكلم…
فمن سيبقى ليقول الحقيقة؟
ولذلك، يا أصحاب الأقلام والميكروفونات والكاميرات:
لا مشكلة في أن تكسبوا من الصحافة.
فالصحفي إنسان، وله بيت وفواتير وأبناء.
لكن المشكلة تبدأ، عندما تصبح الصحافة هي التي تخسر من أجل أن تكسبوا أنتم.
ولا مشكلة في أن تكون للصحفي علاقات.
المشكلة، عندما تصبح العلاقات أقوى من المهنة.
ولا مشكلة في أن تلتقي بالسياسي ورجل الأعمال والمسؤول.
المشكلة، عندما يصبح لقاؤك بهم أغلى من ضميرك.
ولا مشكلة في أن تضحك في صورة.
المشكلة عندما يصبح الضحك، شرطاً للحصول على الصورة!
فالصحفي الحقيقي، يستطيع أن يمد يده للمسؤول مصافحاً…
ثم يعود إلى مكتبه ويسأله:
“سمح لي، ولكن عندي سؤال آخر…”
أما المرتزق، فيصافح المسؤول بيد، ويضع قلمه في جيبه باليد الأخرى.
ثم يسأل السؤال الوحيد الذي يهمه:
“فين نكتب؟ وفاش نبدأ؟ وشكون غادي يخلص؟”
وهنا، يا سادة، لا تعود المشكلة في الصحافة.
المشكلة أن بعض الناس استأجروا الصحافة… ثم أقنعونا أنهم صحفيون!
أما الصحافة الحقيقية، فستظل تلك المهنة، التي قد يخسر صاحبها المال، والمنصب، والعلاقات، وحتى حياته أحياناً…
لكنها تمنحه شيئاً لا يستطيع أي مرتزق شراءه:
أن ينام وهو يعرف أن قلمه لم يرقص يوماً على إيقاع المال.
والباقي…
الغيطة كتصدح، والطبل كيدق، والبارميطة كتدور… ولكن القلم الحر، الله يرضي عليه، ما كيرقصش!
وأخيرا، نؤكد أن هناك صحفيون قضوا قرابة 40 سنة في المهنة؛ بعضهم ما زال يكتب، وبعضهم خرج منها بلا تقاعد ولا تغطية صحية، ومع ذلك لم يمدوا أيديهم لأحد، ولم يكتبوا بالمقابل، ولم يمارسوا الدعارة باسم الصحافة. ربما لم يربحوا المال… لكنهم ربحوا شيئاً أغلى: كرامة القلم وضربته.




