بين صناديق الاقتراع وأسواق الأرقام: أسئلة معلّقة حول نزاهة المشهد الانتخابي

ضربة قلم
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، يعود إلى السطح نقاش قديم جديد في المشهد السياسي المحلي، نقاش لا يرتبط فقط بالأحزاب والبرامج والشعارات، بل يمتد في كثير من الأحيان إلى الكواليس حيث تُرسم خرائط غير معلنة للتأثير، وتُدار بعض الحسابات بمنطق بعيد عن روح التنافس الديمقراطي الذي يفترض أن يميز هذه المرحلة.
وفي عدد من الجماعات، خصوصاً تلك التي ما يزال الطابع القروي أو شبه القروي يطغى على بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، يلاحظ المتتبعون أن الحركة السياسية لا تقتصر على اللقاءات العمومية أو الحملات التواصلية، بل تمتد إلى شبكة معقدة من العلاقات الشخصية والوساطات المحلية، حيث يتحول بعض المنتخبين أو الفاعلين المحليين إلى ما يشبه “نقاط ربط” بين الراغبين في الترشح وبين دوائر التأثير في الأرض.
وفي هذا السياق، تُطرح، بشكل متكرر في النقاش العام، إشكالية تحويل العملية الانتخابية لدى بعض الأطراف من فعل ديمقراطي قائم على الاختيار الحر إلى ما يشبه “سوقاً مفتوحاً” تُعرض فيه الإمكانيات بلغة الأرقام، وتُقدّم فيه الوعود بشكل حسابي بارد، بعيد عن أي اعتبار للقناعة السياسية أو الانتماء الفكري أو المشروع المجتمعي.
وتُروى في هذا الإطار، سواء في المجالس الخاصة أو عبر النقاشات الشعبية، بعض التصورات التي تعكس درجة من التوتر بين ما يُفترض أن تكون عليه العملية الانتخابية من شفافية ونزاهة، وبين ممارسات يُقال إنها تلبس طابع التفاوض حول “القدرة على التأثير” بدل التنافس على البرامج. وهي ممارسات، إن وُجدت، فإنها تُفرغ الفعل الانتخابي من جوهره، وتحوله إلى عملية حسابية تُقاس فيها الأصوات كأنها وحدات قابلة للتجميع والتوزيع.
ولا يقف النقاش عند هذا الحد، بل يمتد إلى الحديث عن تعدد المتدخلين في المشهد المحلي، من مختلف المستويات الإدارية والاجتماعية، حيث يُطرح تساؤل دائم حول مدى إمكانية ضبط هذا الفضاء الانتخابي الواسع والمعقد، وضمان ألا يتحول إلى فضاء للوساطات أو التأثير غير المشروع، بدل أن يبقى مجالاً للتنافس الديمقراطي المتكافئ.
وفي المقابل، تظل المؤسسات المكلفة بالإشراف على العمليات الانتخابية مطالبة، حسب ما يرد في الخطاب العام، بمواكبة دقيقة وصارمة لمختلف مراحل الاستحقاق، سواء على مستوى التسجيل أو الترشيح أو الحملة أو التصويت، بما يضمن تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين، ويعزز ثقة المواطن في المسار الانتخابي برمته.
كما يطرح العديد من المتتبعين سؤال الحكامة السياسية في تدبير هذه المرحلة، ومدى قدرة الفاعل الحزبي على الارتقاء بالفعل الانتخابي من منطق “التجميع العددي” إلى منطق “التأطير والتنافس على الأفكار”، لأن جوهر الديمقراطية لا يُقاس فقط بنسبة المشاركة، بل أيضاً بنوعية الخطاب السياسي ونزاهة السياق الذي تتم فيه العملية.
وفي ظل هذا النقاش، تتزايد الدعوات إلى إعادة الاعتبار للبعد الأخلاقي في العملية الانتخابية، باعتبار أن الديمقراطية ليست مجرد آلية اقتراع، بل هي أيضاً ثقافة وسلوك وممارسة يومية تقوم على الثقة المتبادلة بين المواطن والمؤسسات، وعلى قناعة راسخة بأن الصوت الانتخابي ليس سلعة، بل مسؤولية واختيار حر.
وفي النهاية، يظل الرهان الأكبر في مثل هذه المحطات الانتخابية هو تعزيز الوعي الجماعي بأهمية الحفاظ على مصداقية المسار الديمقراطي، والقطع مع كل الممارسات التي من شأنها أن تمس بثقة المواطن في العملية السياسية، حتى تبقى الانتخابات لحظة تعاقد مجتمعي حقيقي، لا مجرد محطة رقمية عابرة تُختزل فيها إرادة الناس في حسابات ضيقة.




