بين صهوة الخيل ورائحة البحر: حكاية الفارس بوشعيب نخال بالمحمدية

ضربة قلم
في مدينة المحمدية، المدينة التي تعشق البحر مثلما تعشق الحكايات القديمة، تبرز بين الفينة والأخرى أسماء لا تحتاج إلى ضجيج كبير حتى تفرض حضورها. أسماء يكفي أن تُذكر حتى يستحضر الناس معها طيبة المعشر، والأصالة، وذاك الارتباط العجيب بين الإنسان وجذوره. ومن بين هذه الأسماء، يطل اسم بوشعيب نخال، الرجل الذي لا يصنع الأسنان فقط بحكم مهنته، بل يصنع كذلك لحظات فرجة ودهشة فوق صهوات الخيل، وكأنه يرفض أن يحصر نفسه داخل جدران العمل اليومي الرتيب.
بوشعيب نخال، المنتمي إلى أسرة عريقة بمدينة المحمدية، واحد من أولئك الأشخاص الذين لا يمرون مرور الكرام. فالرجل، رغم انشغالات الحياة، ظل يحمل داخله روح الفارس المغربي القديم؛ ذاك الفارس الذي لا يرى في الخيل مجرد وسيلة للركوب، بل جزءاً من الهوية، وامتداداً للروح، وحكايةً من حكايات المغرب العميق.
وحين تقترب من شاطئ البحر بالمحمدية في بعض الأمسيات، قد تلمح رجلاً يمتطي حصانه بثقة وهدوء، كأن بينه وبين البحر اتفاقاً قديماً لا يفهمه إلا العاشقون. هناك، لا يكون ركوب الخيل مجرد هواية عابرة، بل يتحول إلى لوحة حية تجمع بين زرقة البحر، ورائحة الملح، وصوت حوافر الخيل وهي تخترق الرمل في مشهد يكاد يشبه لقطات السينما التاريخية.
لكن شغف بوشعيب نخال لا يتوقف عند حدود الفروسية فقط، فالرجل معروف كذلك بعشقه لهواية الصيد البري، تلك الهواية التي تحتاج إلى صبر طويل، وتركيز، ومعرفة دقيقة بالطبيعة ومسالكها وأسرارها. فهو من أولئك الرجال الذين يجدون في الخروج إلى الفضاءات المفتوحة نوعاً من المصالحة مع النفس، وهروباً مؤقتاً من ضجيج المدن وإيقاع الحياة السريع.
وفي الصيد البري، كما في ركوب الخيل، يظهر جانب آخر من شخصية بوشعيب نخال؛ جانب الرجل المرتبط بالأرض، بالهواء الطلق، وبالتفاصيل الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها كثيرون. فالصيد بالنسبة إليه ليس مجرد مطاردة للطرائد، بل طقس كامل من التأمل والهدوء والانضباط، وعلاقة خاصة مع الطبيعة التي تمنح الإنسان فرصة نادرة ليستعيد توازنه الداخلي.

وحين يجتمع عشق الخيل بحب الصيد البري داخل شخص واحد، فإنك أمام شخصية تؤمن بالحياة البسيطة والأصيلة، بعيداً عن التصنع والضجيج المفتعل. فالرجل يبدو وكأنه ينتمي إلى زمن آخر؛ زمن كان فيه الإنسان يبحث عن المتعة في الطبيعة والرفقة الصادقة، لا في الاستعراض الفارغ أو اللهاث الدائم وراء الأضواء.
لكن الوجه الآخر لبوشعيب نخال يظهر أكثر في عالم “التبوريدة”، هذا التراث المغربي العريق الذي لا يزال يقاوم الزمن ويحمل في داخله روح القبيلة والبارود والفروسية. فالرجل ظل حاضراً في مختلف المناسبات والاحتفالات، مشاركاً بخيله، بحماسه، وبذاكرته التي تبدو مشبعة بحب هذا الموروث الشعبي الأصيل.

وفي زمن أصبحت فيه كثير من الهوايات مرتبطة بالاستعراض الفارغ أو مواقع التواصل الاجتماعي، اختار بوشعيب نخال أن يظل وفياً لهوايات تحمل معنى أعمق: الحفاظ على جزء من الهوية المغربية. فهو لا يركب الخيل من أجل صورة عابرة أو إعجاب مؤقت، ولا يمارس الصيد البري من باب التفاخر، بل لأنه يؤمن أن الفروسية أخلاق قبل أن تكون استعراضاً، وأن الاقتراب من الطبيعة يعيد للإنسان شيئاً من صفائه المفقود.
ومن يعرف الرجل عن قرب، يدرك أنه لم يكن فقط هاوياً للفروسية والصيد، بل كان كذلك منخرطاً في العمل الجمعوي، حيث تحمل مسؤولية كاتب داخل إحدى الجمعيات، وهي مهمة قد تبدو بسيطة للبعض، لكنها في الواقع تتطلب صبراً، وتنظيماً، وقدرة على تحمل النقاشات والخلافات والتفاصيل اليومية التي ترافق العمل الجمعوي في المغرب.
غير أن الحياة، كما هي عادتها، لا تمنح دائماً الوقت الكافي لترتيب المشاعر. فقد شكلت وفاة شقيقه، الذي لم يكن بالنسبة إليه مجرد أخ، بل صديقاً أصيلاً ورفيق درب حقيقياً، لحظة فارقة في حياته. بعض الناس يرحلون، لكنهم يتركون فراغاً لا يمكن لأي شيء أن يملأه. ويبدو أن رحيل شقيقه جعله يعيد النظر في كثير من الأمور، ويبتعد شيئاً فشيئاً عن تحمل المسؤوليات التنظيمية والجمعوية، وكأنه فقد جزءاً من الحماس الذي كان يدفعه للاستمرار.
فهناك علاقات لا تقوم فقط على صلة الدم، بل على التفاهم العميق والرفقة الصادقة. وحين يفقد الإنسان شخصاً كان يشاركه الأفراح، والهموم، والتفاصيل الصغيرة، يشعر فجأة أن بعض الأماكن لم تعد كما كانت، وأن بعض المسؤوليات أصبحت ثقيلة أكثر من اللازم.
ومع ذلك، لم يختف بوشعيب نخال من المشهد. ظل حاضراً بطريقته الخاصة، محافظاً على ارتباطه بالخيل، بالبحر، وبالفضاءات الطبيعية التي يجد فيها راحته النفسية، وبالناس الذين يعرفونه ويقدرون فيه تلك البساطة التي أصبحت نادرة في زمن الاستعراض والتصنع.
وربما ما يميز هذا الرجل أكثر، هو أنه يمثل نموذجاً مغربياً هادئاً لا يبحث عن الأضواء، لكنه يترك أثراً في كل مكان يمر منه. فهو من ذلك الجيل الذي يؤمن أن القيمة الحقيقية للإنسان ليست في كثرة الكلام، بل في السيرة الطيبة، وفي احترام الناس، وفي الوفاء للأشياء التي يحبها.
في المحمدية، المدينة التي تغيرت كثيراً مع السنوات، ما زالت بعض الوجوه تحافظ على شيء من روح الزمن الجميل. وجوه تذكر الناس بأن الأصالة لا تُشترى، وأن حب الخيل، والصيد، والعمل، والعلاقات الإنسانية الصادقة، ما زالت قادرة على منح الحياة معنى مختلفاً.
وبين مهنة دقيقة تتطلب التركيز والصبر، وهوايات مليئة بالحركة والتأمل، صنع بوشعيب نخال لنفسه مساراً خاصاً، يجمع بين الحرفي والفارس، بين الإنسان العملي والعاشق للتراث، وبين رجل فقد أخاً وصديقاً، لكنه ما زال يحاول أن يواصل الرحلة بنفس الوفاء القديم.
وربما لهذا السبب، كلما ذُكر اسم بوشعيب نخال في بعض المجالس، لا يتحدث الناس فقط عن رجل يمارس مهنة أو يركب الخيل، بل عن شخصية اختارت أن تعيش بطريقتها الخاصة، بعيداً عن الضجيج، وقريبة من الأشياء التي تمنح للحياة روحها الحقيقية.




