بين ضجيج التصعيد السياسي وصمت التفاهم الاقتصادي

بقلم محمد كزاوي
باحث في الشأن السياسي والاقتصادي العالمي
تمهيد: العالم يعيد ترتيب أولوياته بخيارات مدروسة
في خضم التصاعد الإعلامي من كافة الاتجاهات، تُمسك الحكومات العصا من المنتصف. البروباغندا تُوصف بالصخب، لكن الواقع هو تفاوض محسوب تحت السطح، يسعى لتحقيق التوازن بين القوة الاقتصادية واشتراطات الانتعاش المنشود
البيت الأبيض بين تهديد كندا وتهدئة الصين
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وقف المحادثات التجارية مع كندا وفرض تعريفات جديدة خلال أسبوع، ردًا على ضريبة رقمية بنسبة 3% فرضتها أوتاوا على شركات تكنولوجيا أميركية كبرى
رغم التصعيد الإعلامي، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن التوتر يُعالج ضمن إطار قانوني، وأن الحلول ممكنة قبل حلول عيد العمال الأميركي
في المقابل، تم تحقيق تقدم ملموس في ملف المعادن النادرة مع الصين، حيث بدأت بكين تسهيل تصديرها رسميًا بعد اتفاق سابق أُبرم في جنيف، مما يعزز سلاسل الإمداد الأميركية للصناعات الدقيقة والتكنولوجية
كندا مقابل الولايات المتحدة صدام تكتيكي لا يصنع أزمة
الضريبة الرقمية الكندية التي أثارت الخلاف دخلت حيز التنفيذ بتاريخ 28 يونيو 2024، وتستهدف الشركات التي تحقق أكثر من 750 مليون يورو عالميًا و20 مليون يورو محليًا من الإيرادات الرقمية
رغم انسحاب الولايات المتحدة مؤقتًا من المحادثات، عرضت كندا مواصلة التفاوض ضمن آليات اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية (USMCA)
مما يعني أن التصعيد الحالي أقرب إلى ورقة تفاوض تُستخدم مرحليًا أكثر من كونه تحولًا جذريًا في العلاقات الاقتصادية
إيران تصعيد لفظي وتحركات تفاوضية موازية
أعاد ترامب التلويح بعمل عسكري تجاه إيران في حال استئناف تخصيب اليورانيوم، مدعومًا بقرار مجلس الشيوخ الذي رفض مشروع قانون يحد من صلاحيات الرئيس في شن الحرب
مع ذلك، يستمر المسار التفاوضي النووي مع إيران، حيث من المرتقب انطلاق الجولة السادسة من المباحثات في سلطنة عمان الأحد المقبل
مما يبرز أن الخطاب الحاد لا يلغي وجود قنوات خلفية، بل يتكامل معها لفرض شروط أقوى على طاولة المفاوضات
الأسواق ترد بلغتها الخاصة
قطاع المعادن يشهد تحركًا إيجابيًا مع بدء تطبيق اتفاق التوريد مع الصين، مما يعزز الثقة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية الأميركية
العملات الرقمية سجلت مكاسب ملموسة خلال الساعات الماضية. البيتكوين تجاوز حاجز 107000 دولار والإيثريوم سجل ارتفاعًا بنسبة فاقت 6 بالمئة
أما الأسواق الأميركية التقليدية، فسجلت مؤشرات الأسهم الرئيسية مستويات قياسية، ما يدل على عدم انجرار المستثمرين خلف التصريحات السياسية، بل قراءتهم للمسار العام بوصفه إيجابيًا على المدى المتوسط
كيسنجر الواقعية الباردة التي ما زالت تؤطر السياسة
تعود أدبيات هنري كيسنجر بقوة إلى طاولة التحليل في كبريات مراكز الفكر الأميركي مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومجلة فورين أفيرز، اللتين تنبهان إلى الحاجة لنموذجه القائم على التوازن عبر الحوار لا الاصطدام
جامعة جونز هوبكنز من خلال أكاديمية كيسنجر الصيفية ما زالت تُدرّس استراتيجياته في إدارة الأزمات من منظور متعدد الأقطاب حيث يُفضّل التفاوض الصامت على المواجهة العلنية
خلاصة تدعم الرؤية
الملف الحالة الراهنة تأثيره على الأسواق
ملف الصين تنفيذ فعلي لاتفاق المعادن دعم مباشر للصناعة والتكنولوجيا
الملف الكندي تصعيد محدود ضمن أفق تفاوضي لا يُتوقع له تأثير سلبي مستدام
الملف الإيراني خطاب قوي دون قرار حربي توتر محسوب يُدار تفاوضيًا
العملات الرقمية ارتفاعات متتالية مؤشر على ثقة السوق
إرث كيسنجر عودة قوية للفكر الاستراتيجي الواقعي أرضية فكرية لتجنب الانزلاق
الخاتمة الارتفاع يطرق الأبواب بدقة لا بعشوائية
ما نراه اليوم هو ديناميكية مدروسة بين التهديد والتفاوض، بين التلويح بالعقوبات وتفعيل الشراكات. كل هذا يصب في اتجاه واحد
الأسواق تستبق الأحداث لا بردات الفعل، بل بإشارات العمق
وبذلك يتأكد ما سبق أن توقعته بدقة
الارتفاع ليس أمنية، بل قراءة واقعية في لحظة عالمية تُعيد ترتيب أوراقها بين اليد الحديدية والعقل المرن.




