بين ضمير القلم وباطرون الحزب: مغامرة الكاتب في زمن الطبول والمزامير

محمد صابر
في زمن لم تعد فيه الكتابة، مجرد هواية يمارسها الإنسان في أوقات فراغه، بل أصبحت مهنة قائمة بذاتها، يتحمل صاحبها مسؤولية واضحة، تجاه مجتمعه وقارئه، تتجلى أهمية هذه المهنة في الالتزام اليومي، وفي وجوب التعامل مع القلم بضمير حي ووعي كامل. فالكاتب الذي يختار أن يجعل من الكتابة، أداة للعمل والعيش، لا يمكن أن ينظر إلى نصوصه بعين الارتجال أو كخربشة على ورقة لتسلية نفسه، بل يصبح مطالباً بتنظيم وقته وجهده، كأي مهنة أخرى، وممارسة الكتابة بعقلية جدية، لا عفوية مطلقة. فالكتابة هنا ليست مجرد نشاط ذهني، بل هي التزام فكري وأخلاقي، ومسؤولية اجتماعية تجاه القارئ والمجتمع ككل.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الكتابة بأجر شهري كأحد الأشكال الحديثة، لتنظيم العمل الصحفي والفكري. فالأجر الشهري ليس مجرد مقابل مالي، بل هو عقد ضمني يربط الكاتب بالمؤسسة، التي يعمل معها، ويضعه أمام التزام دائم بالاستمرارية والجودة. هذا الأجر يوفر له استقراراً مهنياً ومعيشياً، ويمكنه من التفرغ للبحث والقراءة والتحليل، بعيداً عن القلق اليومي الذي قد يدفعه لقبول أعمال متفرقة سطحية، تضر بجودة كتاباته. فالكاتب الذي يعيش تحت ضغط الحاجة المادية، غالباً ما يجد نفسه مجبراً على إنتاج نصوص سريعة، لكنها خالية من العمق والفكر، بينما الكاتب المستقر مادياً، يكون أكثر قدرة على الإبداع، والتأمل، وإنتاج نصوص ذات قيمة حقيقية.
الضمير المهني هنا يصبح عنصرًا جوهريًا. فالكتابة بضمير تعني احترام الحقيقة، والابتعاد عن التضليل، وعدم الانسياق وراء الحسابات الضيقة أو المكاسب المادية اللحظية، حتى لو كانت مغرية. فالكاتب بضمير لا يبيع قلمه لمن يدفع أكثر، ولا يغيّر مواقفه بحسب اتجاه الرياح السياسية أو الاقتصادية، بل يحافظ على استقلاليته الفكرية، مما يكسبه احترام القارئ الذي يثق فيما يقرأ. وهذه الثقة، ليست مجرد شعور عابر، بل هي رأس المال الحقيقي لأي كاتب؛ تُبنى ببطء عبر الزمن، لكنها قد تنهار في لحظة واحدة، إذا شعر القارئ بأن القلم، فقد مصداقيته، أو أصبح مجرد أداة لطرف ما.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل المشهد الأكثر تعقيداً، حين يكون الكاتب يعمل داخل منبر حزبي، أو صحيفة حزبية قد يمسح صاحبها أحذية المخزن في السياسة، فيصبح إعلامه انعكاساً لذلك. فالكاتب في هذه الحالة، يواجه تحدياً مزدوجاً: الالتزام بالخط التحريري للمنبر الحزبي، وفي الوقت نفسه، الحفاظ على قدر من الضمير والصدق الفكري. فالمؤسسة قد تفرض مواضيع أو توجهات معينة، والكاتب مطالب بالانسجام مع هذه التوجهات، لكنه لا يزال مطالباً، بأن يكون صادقاً مع قلمه ومع القارئ. هذا التوازن بين الانصياع والصدق، بين الالتزام والتحرر، هو اختبار حقيقي لنضج الكاتب ومصداقيته.
في المقابل، هناك من يجد في هذا الإطار الحزبي ضيقاً أو مزعجاً، فيختار الهروب إلى الكتابة في المواضيع الثقافية والاجتماعية، بعيداً عن ساحة التطبيل والرقص الإعلامي المبالغ فيه. فالصحفي الذكي، يعرف أن النقاشات الثقافية والاجتماعية، تمنحه مساحة أكبر للتحليل، وتتيح له الاحتفاظ باستقلاليته الفكرية، بعيداً عن الحسابات الصغيرة، والولاءات الحزبية الصارمة. وهنا، يتحول القلم إلى أداة للبحث والتوثيق، ووسيلة للحفاظ على كرامة الكاتب، ومصداقيته أمام القراء.
ولكن، في الجانب المظلم من المشهد، تظهر فئة يشبهها البعض بـ “الدقايقية والطبالة”، أولئك الذين لا يعرفون للكتابة معنى أو ضميراً، بل يستخدمون أقلامهم كأداة للارتزاق، يمدحون ويطبلون لأي باطرون حزبي، مهما كانت مواقفه أو سياساته أو حتى تناقضاته، حيث لا نستثني المنابر غير الحزبية. هؤلاء يتعاملون مع الكلمة كما يتعامل المرتزق مع سلعة: تُعرض لمن يدفع أكثر، ويصبح الولاء المادي هدفهم الأساسي، لا المبدأ أو الفكرة. وفي كل مرحلة، قد يتغير ولاؤهم بسرعة مذهلة؛ من كانوا بالأمس يُرفعون إلى السماء، قد يصبحون اليوم هدفاً للسهام، إذا تغيرت توازنات القوة. هذا السلوك يضيع من قيمة الكتابة ويقلل من ثقة الجمهور، لأنه يعكس حسابات ضيقة، أكثر من كونها موقفاً فكرياً مستقلاً.
ومن جهة أخرى، يفرض النظام الشهري للكتابة، تحدياً إضافياً للكاتب الجاد: الحفاظ على مستوى ثابت من الجودة، رغم ضغط الاستمرارية. فالكتابة ليست مجرد مهارة ميكانيكية، بل عملية فكرية، تتطلب البحث والقراءة المستمرة، وتغذية الأفكار الجديدة. الكاتب الذي لا يقرأ كثيراً، سرعان ما يستهلك أفكاره، بينما الكاتب المتواصل في الاطلاع والنقاش، يوسع آفاقه ويقدم رؤى جديدة. وهنا يظهر دور الاستقرار المالي مرة أخرى: الأجر الشهري يسمح للكاتب بالابتعاد عن الضغوط اليومية، والتمكن من التعمق في المواضيع، وإنتاج نصوص مؤثرة وقيّمة، تراعي احترام القارئ وتغذي النقاش العام بما يفيد.
إن العلاقة بين الكاتب والمؤسسة، عندما تكون متوازنة، تتحول إلى شراكة حقيقية: المؤسسة توفر للكاتب الاستقرار والدعم، بينما يلتزم الكاتب بالجودة والانضباط المهني واحترام الخط التحريري، دون التخلي عن ضميره. وعندما يتحقق هذا التوازن، تصبح الكتابة، أكثر من مجرد وظيفة أو عقد مالي؛ تتحول إلى رسالة ثقافية وأخلاقية، تسهم في تشكيل وعي المجتمع، وتعكس نبضه وهمومه، وتترك أثرًا مستدامًا في الذاكرة الجماعية.
فالكاتب الجاد، يدرك أن كل نص يكتبه هو شهادة على زمن معين، وأن الكلمة المكتوبة، قد تكون أكثر تأثيراً من خطابات طويلة، لأنها تصل بهدوء إلى القارئ، وتدفعه للتفكير وإعادة النظر. ولهذا يصبح الضمير المهني شرطاً لا غنى عنه، لأن التاريخ لا ينسى بسهولة، والكتابات تبقى شاهدة على أصحابها، سواء كانوا كُتاباً مستقلين، أو يعملون ضمن منابر حزبية، أو تحت أي ضغوط تنظيمية أو سياسية.
وفي نهاية المطاف، تتضح الصورة الكبرى: الكتابة بأجر شهري وضمير حي هي فعل نبيل، يجمع بين الاستقرار المادي، والنزاهة الفكرية، والمسؤولية الاجتماعية. فالكاتب الذي يكتب بضمير، لا يكتب للتسلية أو المجاملة، بل لتقديم قيمة حقيقية، سواء للقارئ، أو للمجتمع، أو للتاريخ نفسه. وعندما تصطف هذه العناصر معاً -الأجر الذي يوفر الاستقرار، والضمير الذي يضمن الصدق، والاحترام المتبادل بين الكاتب والمؤسسة- تتحول الكتابة من مجرد مهنة، إلى رسالة حقيقية، تحمي القيم، وتغذي النقاش، وتبني وعياً جماعياً أعمق وأكثر نضجاً، في مجتمع يزداد فيه الضجيج والسطحية يوماً بعد يوم.
وفي سياق الحديث عن الصحفيين الذين يختارون الانخراط في دوامة التطبيل والولاء لمراكز النفوذ، نعرف مثالاً حيًا لشخص ابتلي به الجسم الصحفي، حيث قضى ليالي طويلة في عراء حديقة بالدار البيضاء، يمارس الانتهازية والوصولية بكل براعة، حتى حرق العديد من المراحل المهنية في مهنته الثانية، ونعني بها الصحافة. هذا الشخص أصبح، في أعين البعض، بمثابة “شوشو المخزن”، فقد ارتبط بشكل مباشر بشخص محسوب على وكالة إخبارية معروفة، بهدف تأسيس موقع إخباري جديد كان يفترض أن يكون بمثابة بوق للمخزن، وبتمويل من هذا الأخير.
المشروع، الذي بدأ بموارد مالية كبيرة وأجهزة كمبيوتر “إبل” حديثة، انتهى بالفشل، بعد أن أتلفت الأجهزة وأُهدر جزء من الأموال الطائلة، لتتراجع الخطة، دون أن تحقق أي أثر حقيقي على المشهد الإعلامي. المفارقة أن المخزن نفسه، لم يكن على علم مسبق بعدم قدرة هذا الشخص على إنجاح الجريدة التي يعد مسؤولا عنها، وهي التي تستفيد من الدعم المقدم، حتى أن أسلوبه في الحوار يظل ضعيفاً، أي بلغة خشبية بامتياز، ما جعل مصداقيته شبه معدومة.
هذا المثال يوضح بجلاء الفئة، التي تتحرك وفق المصالح الضيقة، والتي لا تنظر إلى الكتابة أو الصحافة باعتبارها مسؤولية أو رسالة، بل كوسيلة للإنتهازية والوصول إلى النفوذ أو الحصول على الامتيازات، بعيداً عن ضمير القلم، أو احترام القارئ. في المقابل، يظهر الفرق بين هؤلاء، وبين الصحفي الذكي الذي يكتب بضمير، ليحافظ على استقلاليته الفكرية، ويبتعد عن دوامة الطبول والمزامير التي تلتف حول الباطرون الحزبي، أو أي نفوذ آخر.




