الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

بين طفلة ترفع يدها… ورجلٍ سخر منه التعب

م-ص

أحتمي بذاكرتي لأقصّ عليك حكاية حقيقية، لكنها من تلك الحكايات التي لا تُروى إلا بعد أن يبرد وجعها في الصدر، وبعد أن تتحول وجوه أصحابها إلى ظلال تتوارى في الزوايا البعيدة للذاكرة.

قبل أربعة عقود، كانت عمالة المحمدية لا تزال طفلة في عهدها الأول، تتقاسم جدرانها مع بلدية المدينة في بناية واحدة تحمل اسمين، كأن الإدارة نفسها، كانت تبحث عن ذاتها بين عنوانين. في ذلك الزمن، كانت المكاتب ضيقة والملفات متكدسة، أما الوجوه الشابة، فقد حملت أحلامًا أكبر من حجم الكراسي التي جلست عليها، أحلامًا كانت تحلم بأن توسع المكان قبل أن يوسعها الزمان.

كان أحد أبناء الجيران قد التحق بالعمالة، ولم يمكث فيها طويلًا. مرّ بها مرور الغريب، ثم جمع أوراقه ورحل إلى فرنسا، تاركًا خلفه بيتًا متواضعا وأخا سيصير مع مرور السنين جنرالًا، اسمه يُذكر في المجالس، كأنه لقب أسطوري، لا كإنسان من لحم ودم. كان هذا الجار، كلما جلس معنا، لا يفوته أن يستحضر اسم أخيه، كأنما كان يضعه درعًا ضد قسوة الحياة، أو وسادة لكرامةٍ أنهكها الفقر.

هو نفسه قد قدمني يومًا إلى زميل له في العمل، شاب تخرج حديثًا بنفس الرتبة: محرر بإحدى المصالح. لم يكن يشبه الموظفين الذين نعرفهم، أولئك الذين يكتفون بختم الأوراق وانتظار نهاية الشهر. كان يكتب في أجناس إبداعية مختلفة، يحمل في صوته نبرة حلم، وفي عينيه قلقًا لا يهدأ. تعارفنا سريعًا، وصارت بيننا جلسات طويلة من النقاش والضحك والجدال حول الأدب والحياة والمعنى، كأننا كنا نحاول أن نصنع من الكلمات وطنًا مؤقتًا.

وذات يوم زرته في البيت، الذي كان يكتريه بالمنطقة العليا من المدينة. كان مسكنًا صغيرًا، صالونه ضيق لكنه نظيف، كأن صاحبه يحاول أن يمنح الفقر هيئة كريمة. ما شدّ انتباهي لم يكن الأثاث، بل لوحتان معلقتان على جدارين متقابلين:
على الجدار الأيمن، لوحة لطفلة ترفع يدها إلى السماء، ملامحها بريئة، عيناها ممتلئتان برجاء لا يعرف الخيبة.
وعلى الجدار المقابل، لوحة لرجل ملتحٍ يمسك كأس نبيذ، وجهه محفور بالتجاعيد، كأن كل خط فيه قصة انكسار.

قلت له يومها، دون تفكير طويل:
هذه الطفلة تبدو وكأنها ترفع يدها لتقبض على حلمها، بينما هذا الرجل يسخر من الحياة، بعد أن أنهكته التجربة.
ابتسم ابتسامة باهتة، ولم يعلّق.
لم أكن أعرف آنذاك أن اللوحتين لم تكونا للزينة، بل مرآتين لروحه: نصفه طفل يتمنى، ونصفه شيخ تعب من الانتظار.

لم أكن أعرف مشاكله النفسية. كل ما كنت أعلمه أن أجرته الشهرية، لم تكن تكفيه لمواجهة الحياة: أسرة فقيرة يعيلها، ومصاريف لا ترحم، ونزوات نهاية أسبوع يحاول بها أن ينسى، فيغرق أكثر. كان يمشي على حبل مشدود بين الحاجة والكرامة، بين الحلم والراتب الهزيل.

ثم حدث أن اختفى.
لم يعد يكتري البيت.
لم نعد نلتقي.
لم يعد صوته يمر في المقاهي التي اعتدناها.

بعد مدة، علمت أنه قضى ليلة عند زميل له في نفس المصلحة. استضافه ذلك الزميل، ثم اكتشف في الصباح أن دفتر شيكاته قد اختفى. كان قد غادر العمل قبلها بقليل، وانفلت من الوظيفة، كما تنفلت ورقة من شجرة في خريف مبكر. لم أصدق حينها أن مبدعًا يمكن أن يسقط في فعل مشين كهذا. كنت ما أزال أعيش وهم الطهارة الأخلاقية للثقافة، قبل أن أرى، بعد سنوات، ما هو أفظع في عالم الإبداع نفسه: وجوه تكتب عن القيم، وتعيش عكسها تمامًا.

مرت الأيام، وذات صدفة باردة، التقيته بشارع محمد الخامس في الدار البيضاء، قرب محطة القطار. كان وجهه شاحبًا، صوته أقل قوة، كأن الزمن مرّ فوقه دهسًا لا مرورًا. شربنا قهوة سريعة. لم أسأله عما حدث. لم أنبش الجرح. ودعته كما يُودَّع شخص يُخشى أن ينكسر لو لمسته الأسئلة.

ثم جاءني الخبر بعد زمن:
مات…
منتحرًا.

لم يكن الخبر صاعقًا بقدر ما كان حزينًا على مهل، كقطرة ماء تسقط في صدرٍ ممتلئ أصلًا. شعرت أن تلك اللوحتين، عادتا إليّ فجأة: الطفلة التي ترفع يدها، والرجل الذي يسخر من الحياة. شعرت أن الرجل قد انتصر في النهاية، وأن الطفلة تعبت من رفع يدها بلا جواب.

ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت قرب بناية قديمة، أو رأيت موظفًا شابًا يحمل دفترا تحت إبطه، أو سمعت كلمة “إبداع”، أتذكره. أتذكر كيف يمكن للحلم أن يختنق تحت ثقل الحاجة، وكيف يمكن للروح أن تنهزم حين لا تجد من يسمع أنينها.

هي قصة شخص واحد، لكنها تشبه قصصًا كثيرة لا تُروى. قصص أناس عاشوا بين الفن والفقر، بين الكرامة والعجز، بين الطموح وضيق الجدران. قصص أصوات خفتت، لا لأنها لم تكن جميلة، بل لأنها لم تجد هواءً كافيًا لتتنفس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.