الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

بين عامل النظافة في المغرب ونظيره في “بلدان الكفر”.. مفارقة تصفع الضمير الإنساني!

ضربة قلم

كلما شاهدت عاملًا يتشبث بمؤخرة شاحنة جمع النفايات، منذ ساعات الفجر الأولى، وهو يتنقل بين الأزقة في عز الصيف أو وسط برد الشتاء، أدركت أن هذا الرجل أو هذه المرأة، لا يقومان بعمل عادي، بل يؤديان واحدة من أكثر الوظائف مشقة، وخطورة وأهمية في أي مجتمع.

فمن دونهم، تتحول المدن في أيام قليلة، إلى بؤر للأوبئة والروائح الكريهة والأمراض. ومع ذلك، ما زالت هذه الفئة في كثير من الأحيان، لا تحظى بالتقدير الذي تستحقه، سواء على مستوى النظرة الاجتماعية، أو ظروف العمل.

يكفي أن نقارن أوضاع هذه المهنة، في عدد من الدول حتى ندرك حجم الفارق.

في ألمانيا، يتراوح الأجر الشهري الإجمالي، لعامل قطاع جمع النفايات بين 2800 و3800 يورو.

وفي فرنسا، يتراوح بين 1900 و2500 يورو.

وفي بلجيكا، بين 2200 و3200 يورو.

أما في هولندا، فيصل إلى ما بين 2500 و3500 يورو.

وفي السويد، يتراوح بين 2500 و3500 يورو أيضًا.

بينما تُعد النرويج، من أكثر الدول تقديرًا لهذه المهنة، إذ قد يصل الأجر الشهري إلى 4800 يورو.

وفي الولايات المتحدة، تتراوح الأجور غالبًا بين 3500 و6000 دولار أمريكي، بحسب الولاية وساعات العمل.

أما في كندا، فقد يتراوح الدخل بين 4000 و6000 دولار كندي شهريًا، إلى جانب امتيازات اجتماعية ومهنية مهمة.

لكن الأمر لا يتعلق بالأجر وحده.

فهؤلاء العمال يستفيدون في كثير من هذه الدول، من التأمين الصحي، والتقاعد، والعطل المؤدى عنها، وتعويضات عن العمل الليلي أو في الظروف المناخية الصعبة، وملابس وتجهيزات وقاية حديثة، فضلًا عن منح ومكافآت مرتبطة بالأقدمية والإنتاجية.

بل إن بعض البلديات في ألمانيا وكندا وبلجيكا، تجد نفسها مضطرة إلى رفع الأجور وتحسين ظروف العمل، لاستقطاب عمال جدد، لأن الجميع يدرك أن هذه المهنة، ليست سهلة، وأن من يمارسها يستحق الاحترام والتقدير.

أما في المغرب، فالوضع أكثر تعقيدًا.

ففي الشركات الملتزمة بتطبيق القانون، يتراوح الأجر الشهري القانوني لعامل النظافة بين 3100 و3500 درهم، وهو ما ينسجم مع الحد الأدنى القانوني للأجور في القطاع الخاص (SMIG)، الذي يبلغ حاليًا 3422.72 درهمًا شهريًا. غير أن هذا الأجر، رغم احترامه للمقتضيات القانونية، يبقى محدودًا، إذا ما قورن بطبيعة العمل الشاقة، والمخاطر الصحية والمهنية التي يتحملها العامل يوميًا، فضلًا عن اتساع الفارق بينه، وبين الأجور المعمول بها في عدد من الدول الأخرى.

وإلى جانب ذلك، ما زال كثير من العاملين في هذا القطاع، يشتكون من صعوبة ظروف العمل، وأحيانًا من ضعف وسائل الحماية، بحسب الجهة المشغلة والعقود المبرمة، مع شركات التدبير المفوض.

والأصعب من ذلك كله، أن جزءًا من المشكلة ليس ماديًا فقط، بل ثقافي أيضًا.

فما زالت هناك نظرة دونية، إلى بعض المهن اليدوية، وكأن قيمة الإنسان، تُقاس بطبيعة اللباس الذي يرتديه، لا بحجم الخدمة التي يقدمها للمجتمع.

وغير بعيد عن المغرب، وبالجارة إسبانيا، قد ترى شابات يتمتعن بجمال طبيعي وبسيط، يعملن نهارًا في خدمات النظافة أو في قطاعات ميدانية أخرى. وما إن تنتهي ساعات العمل، حتى يغيّرن ملابسهن ويتوجهن إلى المقاهي أو المطاعم أو الحدائق، ويمارسن حياتهن بشكل عادي، دون حرج، ودون شعور، بأن المهنة تنتقص من كرامتهن، لأن المجتمع هناك، في عمومه، ينظر إلى العمل الشريف، باعتباره مصدر فخر، لا سببًا للتصنيف أو الانتقاص.

فالكرامة لا تُمنح بالمناصب، وإنما بالعمل الشريف، أيًّا كان نوعه.

أما عندنا، فما زلنا في كثير من الأحيان نحتفي بعمال النظافة في مناسبات رمزية، وننشر صورهم في يوم أو يومين من السنة، ونكتب عنهم كلمات مؤثرة، ثم نطوي الصفحة، وكأن شيئًا لم يكن.

إن احترام هذه الفئة، لا يكون بالتصفيق الموسمي، ولا بالمنشورات العاطفية، ولا بالشعارات الرنانة، وإنما بأجور تحفظ الكرامة، وحماية اجتماعية حقيقية، وتجهيزات تضمن السلامة، ونظرة مجتمعية، تعتبر أن من ينظف شوارعنا ويحمي صحتنا يستحق من الاحترام، ما يستحقه أي موظف أو مهني آخر.

لأن الأمم المتحضرة، لا تُقاس فقط بناطحات السحاب ولا بسرعة القطارات، بل أيضًا بالطريقة التي تعامل بها من يقومون بالأعمال التي لا يستطيع المجتمع الاستغناء عنها ولو ليوم واحد.

قبل أن تغادر منزلك صباحًا إلى عملك، تذكر أن هناك من سبقك إلى الشارع بساعات، ليس ليجمع النفايات فقط، بل ليحافظ على نظافة المدينة، وصحة سكانها. وإذا كانت بعض المهن، تُقاس بما تدره من مال، فإن هذه المهنة، تُقاس بما تمنحه للمجتمع من كرامة وصحة وحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.