
ضربة قلم
هناك انتصارات لا تُقاس بعدد الأهداف، ولا بعدد الجماهير التي خرجت إلى الشوارع، بل تُقاس بكمية المشاعر المتناقضة التي تتركها في القلوب.
ذلك بالضبط ما عاشه آلاف المغاربة المقيمين في كندا، بعد عبور المنتخب الوطني المغربي، إلى ربع نهائي كأس العالم على حساب المنتخب الكندي.
كانوا أكثر الناس فرحًا… وربما أكثرهم حزنًا أيضًا.
ففي اللحظة التي دوّى فيها صافرة النهاية معلنة انتصار المغرب، ارتفعت الأعلام المغربية في شوارع تورونتو ومونتريال وأوتاوا وغيرها من المدن والمناطق الكندية، وتعالت الزغاريد داخل البيوت والمقاهي والساحات، لكن في الجهة الأخرى، كان هناك شيء يشبه الصمت الجميل… صمت احترام البلد الذي فتح لهم أبوابه، ومنحهم فرصة العيش والعمل، وربما منح أبناءهم أول شهادة ميلاد.
إنها ليست مجرد مباراة بالنسبة لمغاربة كندا.
إنها مواجهة بين قلبين يسكنان صدرًا واحدًا.
قلب يخفق للمغرب لأنه الجذور، والذاكرة، ورائحة الخبز في صباحات الأحياء الشعبية، وصوت الأذان، ولهجة الأم، وجدّة ما تزال تنتظر مكالمة كل مساء.
وقلب آخر يكنّ الكثير من الامتنان لكندا، لأنها الوطن الذي احتضن الأحلام، وفتح المدارس أمام الأبناء، وأمّن العلاج، وأتاح فرص النجاح والاستقرار.
لهذا لم يكن المشهد عاديًا.
كان كثير من المغاربة، يتمنون أن يتأهل المغرب… لكن ليس على حساب كندا.
كانوا يتمنون لو أن القرعة اختارت خصمًا آخر، حتى يستطيعوا الاحتفال دون أن يلتفتوا إلى وجوه زملائهم الكنديين في العمل صباحيوم الإثنين، أو إلى جيرانهم الذين كانوا هم أيضًا يحلمون بمواصلة منتخب بلادهم للمغامرة المونديالية.
الأصعب من ذلك، أن آلاف المغاربة في كندا لم يعودوا مجرد مهاجرين.
فالكثير منهم ازداد هناك.
يحمل الجنسية الكندية، ويتحدث الإنجليزية أو الفرنسية بطلاقة، ويشجع أندية كندية، لكنه حين يظهر القميص الأحمر المغربي، يشعر بأن شيئًا عميقًا يتحرك داخله، شيئًا لا يمكن تفسيره بقوانين الجنسية أو وثائق السفر.
فالانتماء ليس دائمًا ورقة رسمية.
الانتماء أحيانًا دم يسري في العروق.
ولهذا رأينا أبناء الجالية يعيشون ليلة استثنائية.
فرحوا مع المغرب بكل صدق.
وحزنوا من أجل كندا بكل احترام.
ولم يشعروا بأي تناقض في ذلك.
لأن الإنسان قادر على أن يحب وطنين دون أن يخون أحدهما.
وقادر على أن يصفق لفريق، ثم يواسي الآخر في اللحظة نفسها.
وهذا هو أجمل ما تصنعه الهجرة، حين تبني الجسور بدل أن تبني الجدران.
لقد أثبتت الجالية المغربية في كندا مرة أخرى، أنها نموذج راقٍ في الاندماج.
فلم تتحول الاحتفالات إلى استفزاز، ولم تتحول الفرحة إلى شماتة، بل كان كثير من المغاربة، يحرصون على تهنئة لاعبي منتخبهم، وفي الوقت نفسه، يثنون على أداء المنتخب الكندي، ويشكرون البلد الذي يعد واحدا من منظمي هذه النسخة من كأس العالم بكل احترافية.
إنها صورة حضارية تستحق الاحترام.
فالرياضة في النهاية ليست إعلان حرب.
بل احتفال عالمي بالمهارة والتنافس الشريف.
واليوم، يعود المغربي في كندا إلى عمله، وقد يلتقي بزميله الكندي الذي كان يشجّع منتخب بلاده.
لن يحتاج إلى كثير من الكلمات.
ابتسامة صادقة ستكون كافية.
لأن الجميع يعرف أن كرة القدم، تمنح الفرح لفريق، لكنها لا تنتزع الاحترام من الفريق الآخر.
وسيظل المغرب بالنسبة إليهم، الوطن الذي يسكن القلب مهما ابتعدت المسافات.
وستظل كندا الوطن الذي احتضن الحلم، ومنح أبناءهم مستقبلًا يستحق الفخر.
وربما كانت هذه المباراة، رغم قسوتها، أجمل دليل على أن الإنسان، يستطيع أن ينتمي إلى أكثر من مكان، وأن يحمل أكثر من حب، دون أن يفقد صدقه.
فحين انتهت المباراة، لم يكن المنتصر هو المغرب وحده.
ولم تكن الخاسرة هي كندا وحدها.
بل انتصر أيضًا ذلك النموذج الإنساني الجميل الذي صنعه مغاربة المهجر؛ نموذج يقول إن الأوطان، لا تتصارع داخل القلوب النبيلة، بل تتجاور فيها، كما تتجاور صورتان عزيزتان في إطار واحد.
وهكذا، احتفلوا للمغرب، لأنهم لم ينسوا جذورهم، واحترموا حزن الكنديين، لأنهم لم ينسوا فضل الأرض التي منحتهم حياة جديدة.
وما بين علم أحمر تتوسطه نجمة خضراء، وعلم تتوسطه ورقة قيقب حمراء، وقف آلاف المغاربة في كندا، يرددون بصمت: ربح القلب الأول… ولم يخسر القلب الثاني.
ملحوظة: تُظهر الصورة المرفقة مغاربة وهم يتابعون المباراة التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره الكندي، وهي لقطة مأخوذة من إحدى القنوات الكندية.





https://shorturl.fm/6fvBd