الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

بين كازا والمحمدية: الزحام يُستثمر، والشواطئ تُخصخص، والجهة تُعلّب!

ضربة قلم

في المغرب، لا شيء يحدث صدفة. حتى المدن لا تلتقي إلا إذا سُمح لها بذلك، بعد سنوات من التردد، والكثير من البيروقراطية، وربما شيئًا من الحسد الحضري. لكن المعجزة وقعت، وها نحن نشهد هذا الحدث التاريخي: مدينة الدار البيضاء قررت أن تلتقي بمدينة المحمدية. لقاء حقيقي، لا مجرد تبادل تحايا من بعيد عبر الطريق السيار، ولا غمزات بنيوية من تحت الجداول الإحصائية. بل لقاء فيه نية معلنة للاندماج، أو على الأقل للتجاور الحميم، كأنهما تقولان لبعضهما البعض: “كفى عزلةً، فلنبنِ شيئًا معًا… أو على الأقل نقتسم زحمة السير”.

هذا الحدث ليس مجرد عمران يتمدد، ولا توسعًا عشوائيًا يزحف كما اعتدنا. لا، لا… نحن أمام تجربة حضرية غير مسبوقة في المغرب العربي، كأننا نرى “حفل زفاف بلدي” بين أكبر مدينة اقتصادية في المغرب ومدينة صغيرة كانت تتغنّى بمينائها البترولي وهدوئها وشواطئها. الدار البيضاء، التي لا تنام، تمد يدها إلى المحمدية، التي بالكاد تستفيق، وتقول لها: “تعالي نغرق معًا في الاختناق المروري، ونضحك على مَن راهنوا على التمايز الطبقي بيننا”.

والحق يُقال، العلاقة بين المدينتين كانت دائمًا أشبه بعلاقة أم صارمة تفرض جدولها الزمني على طفلها الصغير، الذي لا حول له ولا قوة سوى الموافقة والابتسام. المحمدية، ذلك الطفل الوديع، لم تكن سوى فسحة للراحة: “نمشيو نحكّو في المحمدية، نتهناو شوية من صداع كازا”، بينما الدار البيضاء، الأم الطموحة، كانت تهمس في سرّها: “هاد البلاصة كلها غادي تولّي جزء من جسمي… قريبًا!”. وكأن قدر المحمدية أن تنتقل من “لؤلؤة بين الدار البيضاء والرباط” إلى مجرد “شرفة بيضاوية مطلّة على بحر مملوء بقنينات البلاستيك، ومرشّح أبدي للزحام الصيفي”.

لكن لا بد من الاعتراف أن لقاء المدينتين جاء نتيجة تحولات طبيعية في الجغرافيا والسياسة والعمران. فالدار البيضاء تضخمت، كبرت، انفجرت عمرانياً، وبدأت تبحث عن متنفس. لم يبق أمامها سوى التهام ما جاورها، قطعة قطعة. وهذا بالضبط ما حدث للمحمدية، التي ظلت لسنوات تتأرجح بين الهوية المستقلة والذوبان في المدّ البيضاوي، إلى أن جاء اليوم الذي لم يعد فيه بين المدينتين أي فاصل حقيقي، لا ترابي ولا نفسي. فقط لافتة طريق تُخبرك أنك خرجت من مدينة ودخلت في أخرى، بينما الواقع يقول إنك في نفس الدوش، فقط الصابون تغيّر.

القطارات التي كانت تتوقف بين المدينتين صارت مجرد تفصيل، والزحام الذي يبدأ من عين السبع ولا ينتهي إلا بعد ميناء المحمدية صار أصدق من أي وثيقة إدارية. الناس بدأوا يشترون بيوتًا في المحمدية ويعملون في كازا، أو العكس. الإدارات بدأت تفكر في “الجهوية الموسعة” بشكل عملي، والمضاربون العقاريون صاروا يبيعون شققًا بـ”إطلالة على مستقبل مشترك بين المدينتين”، رغم أن الإطلالة الحقيقية هي على عمود كهربائي وبقايا نفايات بناء.

حتى المواطن البسيط، الذي لا يفهم في نظريات التوسع الحضري ولا في حدود التقسيم الجهوي، صار يشعر أن ما يجري ليس مجرد صدفة، بل مشروع زواج فعلي: زواج فيه كل شيء… إلا الحب. فالمحمدية تنظر بعين القلق إلى هذا الاجتياح الكازاوي، تخشى أن تفقد خصوصيتها، أن تتحول من مدينة إلى “حي راقٍ نسبياً”، أن تضيع في زحمة المشاريع الكبرى. أما الدار البيضاء، فهي كعادتها، لا تنظر خلفها، ماضية في ابتلاع كل ما يمكن ابتلاعه، مثل وحش إسمنتي جائع لا يعرف الشبع، ولا تهمه الأضرار الجانبية.

لكن، ورغم كل هذا العبث، لا يمكننا إلا أن نرفع القبعة لهذا “الاندماج المجالي” الأول من نوعه في المغرب العربي، حتى وإن كان مفروضًا أكثر مما هو مرغوبًا. ففي النهاية، هو تمرين حضري لا بد منه، اختبار للعيش المشترك بين مدينتين كانتا تفكران لسنوات طويلة بمنطق “أنا وربما الآخر”، حتى وجدت نفسيهما مضطرتين للجلوس إلى مائدة واحدة، وربما تبادل الشكوى من نفس السلطة الجهوية.

المستقبل؟ غامض كالعادة. فإما أن يتحول هذا الاندماج إلى قصة نجاح تُدرّس في الجامعات، وإما أن ينتهي بخلاف حول من سيدفع فاتورة التمديدات الصحية، أو من سيحصل على نصيب الأسد من الاستثمارات. لكن الأكيد أن التجربة بدأت، ولن تعود عقارب الساعة إلى الوراء.

أما المواطن، فسيواصل التنقل في الحافلات والقطارات والتاكسيات بين المدينتين، محاولًا فهم الفارق بين “العمران الجديد” و”العمران المُستدام”، دون أن يعلم أن ما يجري أكبر من قدرة جيبه ووقت انتظاره. ما عليه سوى أن يتأقلم، كما اعتاد، مع كل شيء: مع زواج المدن، ومع طلاق القيم، ومع إشاعة تقول إن لقاء كازا بالمحمدية قد يلد “جهة كازا-بحرستان الكبرى”.

والله يحفظنا من اللقاءات المفاجئة… ومن التخطيطات التي تبدأ بالحُلم وتنتهي بالكريدي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.