
ضربة قلم
قبل يومين، قلنا لك بوضوح، إن مشكل التخزين الاستراتيجي للمحروقات، لم يعد كما كان، في زمن شركة سامير، حين كانت الدولة تفرض مخزونًا، يكفي ثلاثة أشهر لحماية السوق والمواطن، من أي اضطراب خارجي أو مفاجئ. وقلنا إن الدولة اليوم تموّل بناء الصهاريج، لكنها لا تضمن امتلاءها، لأن منطق شركات التوزيع، يقوم على البيع السريع، لا على التخزين الطويل، وأن الأمن الطاقي، لم يعد سياسة وقائية، بقدر ما صار تدبيرًا ظرفيًا للأزمات.
قلنا أيضًا، إن هشاشة المنظومة، ستظهر أول ما تظهر في الموانئ، ومع أول موجة بحرية قوية، ومع أول تأخر في تفريغ السفن. وها نحن اليوم أمام بلاغ رسمي صادر عن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة يؤكد، بشكل غير مباشر، كل ما قيل.
بلاغ الوزارة يعترف بوجود ظروف مناخية استثنائية، أثرت على نشاط بعض الموانئ، ويقرّ بوجود سفن محملة بالمواد البترولية تنتظر التفريغ، ويتحدث عن اضطراب في التزويد ببعض المناطق، وعن إغلاق مؤقت لبعض محطات الوقود. هذا الاعتراف وحده كافٍ ليؤكد أن السوق، ليس في وضع عادي، وأن سلسلة التزويد، تتأثر بسرعة بأي عامل طبيعي.
الوزارة تطمئن الرأي العام، بوجود مخزون وطني، يفوق 617 ألف طن، وبأن هناك سفنًا قادمة، تحمل أكثر من مليون طن إضافية. لكن السؤال الذي لا يطرحه البلاغ هو: كم يكفي هذا المخزون من الوقت؟ هل نحن أمام أيام؟ أسابيع؟ أم مجرد هامش ضيق لتجاوز الأزمة الحالية؟ في زمن سامير، كان الجواب واضحًا: ثلاثة أشهر من الاحتياط الإجباري. اليوم لا نجد في البلاغ أي رقم زمني، بل فقط أرقام كمية معزولة عن سياقها الحقيقي.
الأهم من ذلك أن البلاغ يتحدث عن “مخزون وطني”، دون أن يوضح من يتحمل فعليًا مسؤولية التخزين: هل هي الدولة؟ أم شركات التوزيع؟ أم كلاهما؟ وهل هذا التخزين إلزامي أم اختياري؟ وهل هناك عقوبات في حال الإخلال به؟ هذه الأسئلة الجوهرية، لا نجد لها أثرًا في الخطاب الرسمي، رغم أنها تمس صميم مفهوم الأمن الطاقي.
البلاغ، يحاول أن يطمئنك بالحديث عن التنسيق، واليقظة، واللجان المركزية، والتتبع اليومي، ومراقبة الجودة، وهي لغة إدارية معروفة في زمن الأزمات. لكنها لا تجيب عن الإشكال البنيوي: هل انتقل المغرب من منطق التخزين الاستباقي، إلى منطق انتظار السفن، ثم إصدار البلاغات؟ هل صرنا ندبّر الأزمة بدل أن نمنعها؟
قبل يومين، قلنا إن الصهاريج الممولة، من المال العام، قد تتحول إلى رموز للهدر، إن ظلت فارغة أو شبه فارغة، وأن أي اضطراب بحري، سيكشف هذا الضعف فورًا. واليوم يأتي بلاغ الوزارة، ليؤكد أن الأمواج العالية وحدها، كافية لخلق توتر في السوق، وإغلاق محطات، وانتظار سفن، واستنفار إداري واسع.
هنا يظهر الفرق الجوهري بين زمنين:
زمن كانت فيه السياسة الطاقية، تقوم على التخزين المسبق، والاحتياط الطويل، وزمن صار فيه الأمن الطاقي، رهينًا بحالة البحر وحركة السفن وسرعة التفريغ.
البلاغ لا يكذب ما كتبناه، بل يزكّيه بطريقة غير مباشرة. فهو لا يقول إن لدينا تخزينًا استراتيجيًا مضمونًا، بل يقول إن لدينا كميات حاليًا. والفرق كبير بين سياسة تقوم على “الاحتياط” وسياسة تقوم على “التطمين”.
الخلاصة التي تصل إليك اليوم واضحة:
الدولة تبذل جهدًا لتفادي الانقطاع، لكنها تشتغل بمنطق تدبير الوضع الطارئ، أكثر مما تشتغل بمنطق بناء أمن طاقي طويل النفس. وبين سامير، التي كانت تخزن، وصهاريج اليوم، التي قد لا تمتلئ، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف: يقلق عند كل موجة بحر، ويترقب البلاغات، بدل أن يطمئن بسياسة ثابتة.
وبين مقال أول أمس وبلاغ اليوم، يظهر درس واحد لا يتغير: لا يكفي أن نبني خزانات، بل يجب أن نملأها. ولا يكفي أن نعد بالأرقام، بل يجب أن نضمن الزمن. فالأمن الطاقي، لا يُقاس بعدد الصهاريج، بل بقدرة البلد، على الصمود، عندما يتوقف البحر عن العمل.




