بين مقابرنا ومقابرهم: حينما يستمر التمييز حتى بعد الموت!

ضربة قلم
في المغرب، وكما في كثير من بلدان العالم الثالث (أو كما يحب أن يسميه بعض الفلاسفة “العالم المتخلف”)، لا تنتهي معاناة المواطن عند لحظة موته، بل تبدأ مرحلة جديدة من التهميش، ولكن هذه المرة وهو ممدد في قبره، لا حيلة له ولا قدرة على الاحتجاج، لا بصوت، ولا بإضراب، ولا حتى بلافتة كرتونية مكتوب عليها: “أنا ميت ومقهور، ارحموني!”
لنبدأ بالمشهد: مقبرة مغربية نموذجية، ترابية، مبعثرة، لا تميز فيها بين القبر والمزبلة المجاورة، ولا بين شاهد القبر والحجر الذي ترمى به الكلاب الضالة. رائحة الموت مختلطة برائحة البول – نعم البول، لأن بعض المارة يجدون المقابر مكانًا مثالياً لتصريف حاجاتهم، فقد مات الحياء في قلوبهم كما مات ساكنو القبور!
ندخل أكثر، فنجد العجب العجاب: قبور مرصوفة عشوائيًا، لا أسماء، لا تواريخ، لا أدنى محاولة لتكريم الميت. بل الأسوأ من ذلك، أن القبور عندنا لا تخلو من سكان إضافيين: حشرات زاحفة، عقارب، وأحيانًا أفاعٍ سمراء تتخذ من قبور الفقراء جحورها الخاصة. هذه ليست مقابر، بل غابة سفاري صغيرة، فقط ينقصها قرد فوق شاهد القبر يهتف بشعارات حزبية.
تمييز طبقي… حتى في دار البقاء
لكن لحظة، لا تظنوا أن كل القبور سواء، فهناك ما يسمى بـ”قبور الواجهة”. هذه مخصصة للنخب، للوجهاء، لأصحاب المعالي والسعادة، ولمن تركوا وراءهم ثروات ضخمة، حتى وإن كانت مصادر الثروات متأتية من تهريب المخدرات أو الصفقات المشبوهة أو الغش في بناء المدارس والمستشفيات التي انهارت على رؤوسنا.
قبور الواجهة مرصوفة بالرخام الإيطالي، محفورة بدقة الليزر، محاطة بزهور مستوردة لا تذبل، ومظلة صغيرة تحمي الزائرين من أشعة الشمس، بل وبعضها مزود بكاميرا مراقبة وأضواء ليلية، كأن الميت قد يتحرك ليلاً ليطرد من تسلل إلى محيطه البرجوازي.
المضحك المبكي أن بعض العائلات تتفاوض لشراء الموقع المناسب داخل المقبرة، وكأنها تتسوق في مراكش بلازا. وهناك سماسرة متخصصون في “مواقع الموت” يبيعون القبر حسب الإطلالة: “هذا القبر مطل على الجهة الشرقية، فيه نسيم رباني ممتاز، بجواره ضريح ولي صالح، لا ضجيج، بعيد عن قبور العامة…” والصفقة تُتم وكأنها عقار فاخر في ماربيا.
وفي بلاد تحترم موتاها…
أما إذا انتقلت إلى الدول التي تحترم مواطنيها أحياءً وأمواتًا، فستصاب بالذهول. المقابر هناك أشبه بحدائق عامة. كل قبر يحمل اسم صاحبه، صورته، تواريخ حياته، وربما اقتباسًا جميلاً من وصيته أو من قصيدة مفضلة. كلها منظمة، مرقمة، ممهدة، دون تمييز بين الفقير والغني، بين الوزير وصاحب الحانوت. الموت هناك هو المساواة الحقيقية الوحيدة.
لا أحد يشتري قبرًا بإطلالة ولا أحد يتفاخر برخام قبره، فالكرامة الإنسانية هناك لا تنتهي بخروج الروح، بل تستمر بدفن يليق بالبشر، لا بالجيف.
بل هناك مدن بأكملها تُخطط مقابرها كما يُخطط وسط المدينة: بخرائط دقيقة، ممرات نظيفة، مقاعد للزوار، مياه عذبة لري الزهور، وحتى دورات مياه نظيفة! نعم يا سادة… الموت هناك رفاهية نتمناها نحن الأحياء عندنا.
مقابرنا… مرآة لواقعنا
ما يحدث في مقابرنا ليس سوى انعكاس صارخ لحياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. التهميش، الفوضى، غياب الكرامة، واحتكار “الجودة” من طرف القلة… كلها ظواهر تستمر حتى ونحن جثث هامدة.
بل تجد من يفكر أثناء حياته: “يا ريتني نولد في أوروبا، وحتى إذا مت، على الأقل يدفنوني بحال الناس!” وهذا حلم مشروع، لأن بعض المواطنين عندنا دفنوا بطريقة جعلت الكلاب السائبة تستقر فوق قبورهم، واللصوص سرقوا الرخام من شواهدهم لبيعه في سوق الخردة.
نهاية ساخرة… لكن واقعية
حين تقول المقررات المدرسية أن “الموت حق”، فهي تغفل عن قول الحقيقة كاملة: “الموت حق، لكن الدفن كرامة، والكرامة عملة نادرة عندنا.” بل يمكنك أن تكون حريصًا طوال حياتك على كرامتك، لكنك في النهاية قد تُدفن في حفرة مملوءة بالنمل والذكريات، وتجاور تاجر مخدرات في قبر رخامي عليه دعاء بخط ذهبي: “اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة.” وهو الذي جعل حياتنا جحيمًا من جحيمات الأرض!





https://shorturl.fm/hevfE
https://shorturl.fm/I3T8M
https://shorturl.fm/I3T8M