بين نوستالجيا الزمان وملاحم البطولة: رحال عبوبي يكتب الذاكرة الجماعية لمدينة الكارة وأحواز الشاوية
ضربة قلم
يبدو أن الكاتب رحال عبوبي، القادم من رحم مدينة الكارة، قد نذر قلمه لبعث الحياة في ذاكرة الأمكنة والوجوه والوقائع التي خَبَتها تحت غبار النسيان، ليمنحها صوتًا جديدًا عبر كتابين متكاملين: “الكارة – نوستالجيا الزمان والمكان” و**”حكايات أبطال من أحواز الشاوية – مروريات تاريخية”**. كلاهما يشكلان معًا لوحة حنينٍ ومقاومة، تُنقذ الذاكرة من النسيان، وتمنح أبناء الجهة مرآة يطلّون منها على جذورهم.
في كتابه الأول، “الكارة – نوستالجيا الزمان والمكان”، يقدّم عبوبي نصًا مشبعًا بالدفء الإنساني، مكتوبًا بلغة شاعرية، يستعرض فيه تفاصيل حياة مدينة الكارة من خلال ذاكرة مشحونة بالحب، وبأسماء وأماكن لم تعد موجودة، لكنها ما زالت تحيا في قلوب من عاشوها. وكما جاء في تقديم الأستاذ نور الدين ضرار، فإن الكاتب يصوغ سردًا يوثق حياة جيل بكامله، جيل “رحال عبوبي من أبناء الكارة الذين لا زالوا على درب العطاء والأجيال مشدودين لدفء ترابها”، في محاولة لا لتجميل الماضي، بل لاستحضار نبله وأصالته. بين الشوارع، والملاعب الترابية، والحكايات الشعبية، تتحرك “نوستالجيا” عبوبي بتلقائية، مستحضرة مشاهد من الذاكرة العميقة، كما لو أنه يُعيد تشكيل الزمن بصيغة تستعصي على الزوال.
أما الإصدار الثاني، “حكايات أبطال من أحواز الشاوية – مروريات تاريخية”، فهو بمثابة نقلة نوعية من الخاص إلى العام، ومن الحنين إلى المقاومة. هنا، يتقمص الكاتب دور المؤرخ الشعبي، الذي يسرد من خلال شهادات ووقائع ما عجزت المصادر الرسمية عن توثيقه بدقة. إنه عمل يتقاطع فيه الشخصي بالوطني، ويتلاقى فيه مصير الشاوية بمصير الوطن، خاصة في ظل فترات الاستعمار والنضال. يسجل عبوبي بطولات رجال نسيتهم الدولة ولم تنصفهم الذاكرة الرسمية، رجال “صنعوا تاريخهم بدمهم وعرقهم وكرامتهم”، كما يشير على ظهر الغلاف، ليمنحهم بذلك ما يشبه الخلود الرمزي.
يستحضر الكاتب في هذا العمل أسماء لامعة وأخرى مجهولة، ممن واجهوا القهر والاستعمار ببسالة، وساهموا في تشكيل وعي جماعي ظل مغيبًا. وإذا كان كتاب “الكارة” قد استند إلى نوستالجيا ذاتية ووجدانية، فإن “حكايات أبطال” يستند إلى توثيق موضوعي، يعيد رسم صورة الإنسان المقاوم، ويوجه دعوة صريحة للأجيال الجديدة كي لا ينسوا تضحيات من سبقوهم.
رحال عبوبي، المزداد سنة 1959، والذي راكم تجربة طويلة في التدريس امتدت من 1981 إلى غاية تقاعده سنة 2015، يبرهن من خلال هذين العملين أن الكتابة عن الذاكرة ليست ترفًا، بل ضرورة ملحة لمواجهة النسيان الرسمي، وإعادة الاعتبار لمكانٍ عاش فيه البسطاء كأبطال، وساهموا، من مواقعهم، في تشكيل هوية هذه الرقعة من الوطن.
في زمن يتسابق فيه البعض على صناعة بطولات وهمية، يختار عبوبي أن يظل وفيًّا لذاكرة الهامش، حيث البساطة والتواضع، وحيث التاريخ يُروى من أفواه من عاشوه لا من تقارير المؤسسات. بين الحنين والتأريخ، بين الشهادة والوفاء، يخطّ هذا المعلّم السابق فصلين من فصول الكرامة الجماعية، ويسلم شعلة الذاكرة لمن يأتي بعده.




