الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعاقتصاد

بين همّ التشغيل وهاجس الحقوق… عبد السلام المودن يفتح قلب “سامير” على أسئلة المرحلة وتحديات النقابة الشابة

حاوره: محمد صابر

في سياق نقابي متوتر ومشحون بالأسئلة الثقيلة حول المستقبل المهني والاجتماعي، للعاملين بشركة سامير، نستضيف اليوم وجهاً نقابياً شاباً، برز داخل هذا المشهد المعقد، وهو عبد السلام المودن، الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل بالشركة.

رجل اختار، رفقة عدد من زملائه ورفاقه النقابيين، أن يشتغل بصمت وباستمرارية، من أجل إعادة نسج خيوط الثقة داخل الجسم العمالي، ولمّ شمل منخرطين، تفرقت بهم المسارات وتعددت لديهم الهواجس، لكنهم ظلوا يجتمعون حول قناعة واحدة: أن الدفاع عن المصلحة الاجتماعية والمهنية للأجراء، ليس خياراً ظرفياً، بل التزام يومي طويل النفس.

في هذا الإطار، لا يقدم العمل النقابي هنا باعتباره مجرد موقع تنظيمي أو تمثيلي، بل باعتباره مساحة نضال هادئ، يتقاطع فيه الوعي بالحقوق مع الإحساس بالمسؤولية، وتتشكل فيه قناعة راسخة، بأن كرامة الأجير لا تُختزل في مطلب عابر، بل في مسار متكامل من الصبر والترافع والتراكم.

وهكذا، تبدو هذه التجربة النقابية، أقرب إلى “نبلٍ عملي” بسيط، بعيد عن الضجيج، قائم على الإصرار اليومي في ظروف غير سهلة، حيث تتداخل الملفات الاجتماعية بالمصير المهني، وتتعقد الأسئلة بدل أن تتبسط، ويصبح الحفاظ على وحدة الصف العمالي، عملاً يحتاج إلى نفس طويل وهدوء أعصاب وإيمان عميق بعدالة القضية.

لم نقترب من هذا الحوار من باب البحث عن أجوبة جاهزة أو مواقف نهائية، بل حملنا معه مجموعة من الأسئلة التي تفرضها اللحظة الراهنة على العاملين داخل هذا الملف الشائك، أسئلة تتقاطع فيها الهموم اليومية بالانتظارات الكبرى، ويختلط فيها الاجتماعي بالمؤسساتي، والحقوقي بالاقتصادي.

حملنا أسئلة عن واقع الأجراء اليوم، بين الانتظار الطويل وضبابية المستقبل، عن معنى العمل النقابي في ظرف استثنائي طال أمده، وعن حدود الممكن في الدفاع عن الحقوق في ظل تعقيدات الملف وتشابك مستوياته.

كما حملنا أسئلة عن معنى الوحدة النقابية، داخل فضاء تتعدد فيه الرؤى والتصورات، وعن كيفية تحويل هذا التعدد من مصدر تباين إلى طاقة اقتراح وتوازن، وعن موقع الجيل النقابي الجديد، في إعادة صياغة لغة الحوار بدل منطق التوتر.

وحملنا أيضاً أسئلة أعمق، تتجاوز اللحظة الراهنة، نحو جوهر الفعل النقابي ذاته: كيف يمكن الحفاظ على روح النضال دون فقدان حسّ الواقعية؟ وكيف يمكن الدفاع عن الحقوق دون الانزلاق إلى الاستنزاف أو الانقسام؟ وأين يقف الحد الفاصل بين الصبر الاستراتيجي وبين الحاجة إلى الحسم؟

هي أسئلة مفتوحة، بقدر ما تبحث عن الأجوبة، فإنها تعكس أيضاً حجم التعقيد الذي يطبع هذا الملف، وتكشف أن النقاش لم يعد تقنياً فقط، بل أصبح نقاشاً حول المستقبل، والمعنى، والكرامة، وأفق الاستقرار داخل واحدة من أكثر التجارب المهنية حساسية وتشابكاً.

ما هي أبرز المشاكل التي تواجه العمال اليوم بعيداً عن الخطابات الرسمية؟

يُعتبر غياب الرؤية المستقبلية الواضحة، بشأن مصير الشركة التي يشتغلون بها، إلى جانب الضبابية التي تحيط بمستقبل مناصب الشغل، من أبرز الإشكالات العميقة التي يعيشها عمال سامير في الوقت الراهن. فهذا الوضع لا يرتبط فقط بجوانب مهنية أو تنظيمية، بل يلامس بشكل مباشر الإحساس بالأمان الوظيفي والاستقرار الاجتماعي، في ظل سنوات طويلة من الانتظار والترقب، دون حسم نهائي لمآل هذه المؤسسة.

ومع استمرار هذا الغموض، يجد الأجراء أنفسهم في حالة من “اللايقين الدائم”، حيث تتداخل الأسئلة اليومية البسيطة مع هواجس كبرى، تتعلق بالمستقبل المهني والمعيشي. فغياب أي تصور واضح، حول إعادة تشغيل الشركة أو تسوية وضعيتها يجعلهم في موقع المتلقي لقرارات مؤجلة، دون قدرة حقيقية على التأثير أو التخطيط لمساراتهم القادمة، وهو ما يخلق شعوراً عاماً بالقلق وعدم الاستقرار.

وتتفاقم هذه الوضعية بالنظر إلى البنية الديموغرافية لصفوف العمال، حيث يبلغ متوسط أعمارهم حوالي 38 سنة، وهي مرحلة مفصلية في الحياة المهنية للإنسان، يفترض أن تكون مرحلة بناء واستقرار وتوسيع للمسؤوليات. غير أن هذا الواقع يجعلهم في وضع معكوس، إذ يصبحون عالقين، بين مرحلة لم تُحسم بعد ومستقبل لم يتضح بعد معالمه، ما ينعكس سلباً على قدرتهم على اتخاذ قرارات حاسمة، تتعلق بالحياة المهنية أو حتى الشخصية.

ففي هذا السن، يكون العامل عادة في ذروة عطائه المهني، وقادراً على الاندماج في مشاريع طويلة الأمد، سواء على مستوى الترقية أو الاستثمار أو الاستقرار الأسري. غير أن استمرار حالة الغموض المرتبطة، بمصير الشركة يحول دون ذلك، ويجعل الكثير منهم يعيشون على إيقاع الانتظار، بدل التخطيط، وعلى منطق الترقب بدل الاستقرار.

ولا تقتصر تداعيات هذا الوضع على الجانب المادي فقط، رغم أهميته، بل تمتد أيضاً إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية. فحالة عدم اليقين المستمرة، تولد ضغطاً نفسياً متراكماً، وتؤثر على الاستقرار الأسري، خاصة مع تزايد الالتزامات اليومية، وغياب وضوح في الدخل أو الاستمرارية المهنية. كما أن هذا الوضع يضع الأسر في حالة قلق دائم بشأن المستقبل، ويجعل التخطيط للحياة اليومية أو طويلة المدى أمراً بالغ الصعوبة.

وفي المحصلة، فإن ما يعيشه عمال سامير اليوم يعكس وضعية اجتماعية ومهنية استثنائية، تتجاوز مجرد أزمة تشغيل عابرة، لتتحول إلى حالة ممتدة من الانتظار غير المحسوم، والتي تنعكس بشكل مباشر على توازنهم النفسي والاجتماعي، وعلى قدرتهم على بناء مستقبل مستقر لهم ولأسرهم، في ظل غياب أفق واضح أو حل نهائي، يضع حداً لهذا الغموض المستمر.

هل تشعرون أن الدولة استوعبت فعلاً حجم المعاناة الاجتماعية التي خلفها هذا الملف؟

عند اندلاع هذه الأزمة في أواخر سنة 2015، تعاملت الدولة مع الوضع من خلال مقاربة مزدوجة، سعت في شقها الأول إلى الحفاظ على استمرارية تزويد السوق الوطنية بالمواد النفطية، وضمان عدم حدوث أي اضطراب، قد يمس الأمن الطاقي للبلاد، باعتباره مسألة استراتيجية مرتبطة بالاستقرار الاقتصادي العام. وفي المقابل، تم التأكيد في أكثر من مناسبة على أن البعد الاجتماعي، لم يكن مغيباً عن هذه المعالجة، وأن حقوق الأجراء المتضررين من توقف المصفاة كانت حاضرة ضمن دائرة الاهتمام الرسمي، باعتبارهم الطرف الأكثر تأثراً من تداعيات هذا التوقف.

ورغم هذا التأكيد المبدئي، فإن الواقع الذي عاشته الطبقة العاملة، خلال السنوات اللاحقة، يكشف أن التدخلات العملية، ظلت محدودة في أثرها الاجتماعي المباشر، إذ اقتصر الدعم المقدم على أجر ذي طابع معاشي، هدفه الأساسي ضمان الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للأجراء، في انتظار تسوية شاملة للوضعية. وقد تمت الإشارة رسمياً، بما في ذلك على لسان وزير الشغل في أحد الأجوبة البرلمانية، إلى أن معالجة بعض الحقوق الاجتماعية والقانونية، تبقى مرتبطة بإمكانيات مالية محددة، وهو ما جعل الحلول المقدمة، تأخذ طابعاً تدريجياً ومشروطاً أكثر منه نهائياً أو شاملاً.

ومع مرور الوقت، أصبح هذا الإطار التدبيري، غير كافٍ من منظور الأجراء، خصوصاً مع طول أمد الأزمة، وتعدد انعكاساتها على حياتهم اليومية. فبينما كانت التوقعات، تتجه نحو تسوية تدريجية وشاملة للوضع، بقيت العديد من الملفات العالقة دون حسم، مما عمّق الشعور بعدم التوازن بين حجم التضحيات التي قدمها العمال وبين مستوى الاستجابة الفعلية لمطالبهم.

واليوم، وبعد التحسن الملحوظ الذي عرفته الوضعية المالية للشركة، منذ أكثر من سنتين، كان من الطبيعي، من وجهة نظر الأجراء، أن ينعكس هذا التطور بشكل إيجابي على أوضاعهم الاجتماعية والمهنية، سواء عبر تسوية جزء من الحقوق العالقة أو عبر تحسين شروط العمل والاستقرار. غير أن هذا الانتظار ما يزال قائماً، دون ترجمة ملموسة على أرض الواقع، وهو ما يجعل الفجوة بين التحسن الاقتصادي المفترض، وبين الوضع الاجتماعي للعمال قائمة ومستمرة.

في المقابل، يجد الأجراء أنفسهم اليوم، في موقع من يتحمل وحده تبعات أزمة ممتدة، في ظل استمرار تجميد عدد من الحقوق التي يعتبرونها مكتسبة ومشروعة. هذا الوضع لا يقتصر على الجانب المادي فحسب، بل ينعكس أيضاً على الإحساس العام بالإنصاف، ويغذي شعوراً متزايداً بالحيف والإحباط، خاصة مع استمرار حالة الترقب وعدم وضوح أفق التسوية النهائية.

وبذلك، يظهر أن الإشكال لا يتعلق فقط بتدبير ظرفي لأزمة اقتصادية، بل يمتد إلى سؤال أعمق، حول مدى قدرة هذا التدبير على تحويل التحسن المالي إلى إنصاف اجتماعي فعلي، يلمسه الأجراء في حياتهم اليومية، ويعيد التوازن بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي وحقوق الفئة العمالية المتضررة.

لماذا استغرق ملف التقاعد التكميلي كل هذه السنوات للوصول إلى حلول جزئية؟

يُطرح هذا السؤال بإلحاح داخل أوساط الأجراء والمتتبعين لملف التقاعد التكميلي، خاصة بالنظر إلى طول المدة التي استغرقها النقاش دون الوصول إلى تسوية شاملة ونهائية، مقابل ما تحقق فقط من حلول جزئية متفرقة. هذا التأخر لا يمكن اختزاله في سبب واحد، بل يرتبط في جوهره بتشابك عدد من العوامل التنظيمية والمؤسساتية والتفاوضية، التي حكمت مسار الملف منذ بدايته.

فمن جهة أولى، يمكن الإشارة إلى أن طبيعة هذا الملف التقنية والمعقدة، بما يتضمنه من التزامات مالية طويلة الأمد وارتباطه بوضعية الشركة، والتحولات التي عرفتها، جعلت من معالجته بشكل نهائي، أمراً يتطلب توافقات متعددة الأطراف، وهو ما لم يكن دائماً متاحاً أو مستقراً عبر مختلف المراحل.

بين همّ التشغيل وهاجس الحقوق… عبد السلام المودن يفتح قلب "سامير" على أسئلة المرحلة وتحديات النقابة الشابة

ومن جهة ثانية، لعب السياق النقابي، دوراً غير مباشر في إيقاع هذا المسار. فضعف الاستقرار التنظيمي أو بطء تجديد بعض الهياكل التمثيلية داخل الإطار النقابي المعني، قد يكون ساهم في تأخير بلورة موقف تفاوضي موحد، وقوي قادر على الدفع نحو تسوية شاملة في وقت مبكر. في هذا السياق، يمكن القول إن تجدد القيادة النقابية أو إعادة ترتيب الأولويات الداخلية داخل التنظيمات المهنية، غالباً ما يكون له أثر مباشر على دينامية التفاوض وتسريع أو إبطاء وتيرته.

كما أن الملف ارتبط أيضاً بانتظارات متباينة بين الأطراف المعنية، حيث ظل كل طرف ينظر إليه من زاوية مختلفة: فالأجراء يعتبرونه حقاً مكتسباً، ينبغي تسويته بشكل كامل ودون تجزئة، في حين تم التعامل معه في بعض المراحل بمنطق تدريجي يقوم على الحلول الجزئية الممكنة، وفق الظرفية والإمكانات المتاحة، وهو ما أدى إلى استمرار حالة الترقب، بدل الحسم النهائي.

إلى جانب ذلك، فإن طول المسار الزمني للملف، ساهم بدوره في تعقيده أكثر، حيث كلما طال الزمن، ازدادت التشابكات القانونية والمالية والاجتماعية المرتبطة به، وأصبح من الصعب العودة إلى نقطة انطلاق واحدة، يمكن البناء عليها لتسوية شاملة وسريعة.

وفي المجمل، يمكن القول إن تأخر الحسم النهائي في ملف التقاعد التكميلي، لا يعود إلى عامل وحيد، بل إلى تداخل معطيات تنظيمية ونقابية وتقنية وسياسية، جعلت منه ملفاً تراكمياً، يُعالج عبر مراحل، غالباً بمنطق الحلول الجزئية بدل المعالجة الشاملة. ومع ذلك، فإن هذا المسار الطويل، يعكس في الآن ذاته حجم التعقيد الذي يطبع مثل هذه الملفات الاجتماعية الكبرى، التي لا تُحسم بسهولة، بقدر ما تُدار عبر توازنات دقيقة بين مختلف الأطراف المتدخلة.

هل أنتم راضون عن الاتفاق الأخير المتعلق بمستحقات الصندوق المهني المغربي للتقاعد؟

بعد مرحلة طويلة من الجمود التي امتدت لأكثر من عشر سنوات في ملف الصندوق المهني المغربي للتقاعد (CIMR)، جاء الاتفاق الأخير، ليشكل منعطفاً مهماً في مسار هذا الملف الذي ظل عالقاً لسنوات بين التعثر والتأجيل. وخلال هذه الفترة، لعبت نقابة الاتحاد المغربي للشغل دوراً محورياً في الدفع نحو إعادة تحريك الملف، من خلال المساهمة في تهيئة الظروف المناسبة التي سمحت بإخراجه من حالة التوقف وإعادته إلى طاولة التسوية.

وفي هذا السياق، تم التعبير عن قدر من الارتياح تجاه هذا التطور، باعتبار أن مجرد الوصول إلى بروتوكول اتفاق بعد سنوات من الانتظار، يُعد خطوة إيجابية في حد ذاته، ويعكس تقدماً ملموساً في معالجة ملف ظل لفترة طويلة دون حسم. وقد تم التأكيد، عشية توقيع هذا البروتوكول، على أن هذا الإنجاز لا ينفصل عن الجهود التراكمية التي بذلتها مختلف الأطراف، وفي مقدمتها العمل النقابي الذي ساهم، في إبقاء الملف حياً داخل دوائر النقاش والتفاوض.

وانطلاقاً من هذا المنظور، يُنظر إلى ما تحقق باعتباره مكسباً مرحلياً، يصب في مصلحة الأجراء، الذين ظلوا ينتظرون تسوية منصفة لمستحقاتهم المرتبطة بهذا الصندوق. كما أن هذا الاتفاق، يُعد خطوة في اتجاه إعادة الاعتبار لحقوق مهنية واجتماعية طال انتظارها، خاصة في سياق اتسم بتعقيد الملف وطول مدة تجميده.

غير أن هذا الارتياح لا يعني انتهاء المسار بشكل نهائي، بل يُفهم ضمن إطار المتابعة المستمرة والتنبيه إلى ضرورة ضمان التنفيذ السليم والدقيق لبنود الاتفاق، بما يضمن الوفاء بكافة الالتزامات المترتبة عنه، وعدم الاكتفاء بالإعلان عن التسوية دون تفعيلها على أرض الواقع.

ومن هذا المنطلق، يبقى التعامل مع هذا الاتفاق مشروطاً بمدى احترام مضامينه في التنفيذ العملي، باعتباره خطوة مهمة لكنها، تظل جزءاً من مسار أطول يهدف إلى استكمال تسوية شاملة ومنصفة لكل الحقوق العالقة، بما يعزز الثقة ويكرس الاستقرار في هذا الملف الاجتماعي الحساس.

ما هي أبرز العراقيل التي واجهت العمل النقابي داخل هذا الملف؟

من المعروف أن العلاقة بين الإدارة النقابية أو المشغّل من جهة، والتنظيمات النقابية من جهة أخرى، ليست دائماً علاقة توافق كامل، بل هي في كثير من الأحيان، علاقة تقوم على توازن دقيق بين مصالح متباينة. فمن الطبيعي، إلى حد ما، أن لا يكون ربّ العمل مرتاحاً في كل الحالات لوجود تنظيم نقابي قوي وفاعل داخل المقاولة، بحكم أن الإدارة تسعى أساساً إلى ضمان الاستقرار الإنتاجي واستمرارية النشاط الاقتصادي والحفاظ على التوازنات المالية، في حين تضطلع النقابة بدور الدفاع عن حقوق ومكتسبات الأجراء والمطالبة بتحسين شروط عملهم.

وفي هذا السياق، يظهر الحوار الاجتماعي كآلية أساسية لتقريب وجهات النظر بين هذه الأطراف المختلفة، وإيجاد نقاط التقاء تضمن استمرارية العمل من جهة، وصون الحقوق الاجتماعية والمهنية من جهة أخرى، بما يحقق قدراً من التوازن بين متطلبات الإنتاج ومطالب الشغيلة.

غير أن ما يميز الحالة موضوع هذا الملف، هو أن الإدارة الحالية، ممثلة في السنديك باعتباره الممثل القانوني للشركة، أبانت في أكثر من مناسبة عن نهج يقوم على احترام مختلف الفرقاء الاجتماعيين، والتعامل معهم بمسؤولية وهدوء، مع الحرص على الحفاظ على نفس المسافة من مختلف التنظيمات النقابية، دون انحياز أو تمييز أو إقصاء، وهو ما ساهم في خلق حد أدنى من الاستقرار في العلاقة المهنية داخل المؤسسة.

في المقابل، تبرز في بعض اللحظات إشكالات مرتبطة بالفضاء النقابي نفسه، حيث يُلاحظ أحياناً، صدور ممارسات أو مواقف من بعض الفاعلين النقابيين لا تنسجم مع المبادئ التي يُفترض أن يقوم عليها العمل النقابي، وفي مقدمتها احترام التعددية النقابية وقبول الاختلاف. إذ قد يتم أحياناً رفض هذا التعدد أو التضييق عليه، رغم أن الخطاب المعلن يقوم على قيم الديمقراطية والانفتاح واحترام الرأي الآخر.

والحال أن التعدد النقابي، في جوهره، ليس تهديداً لأي طرف، بل هو تعبير عن حيوية داخلية يفترض أن تغني النقاش وتوسع من دائرة التمثيلية وتسمح ببلورة رؤى مختلفة، حول كيفية الدفاع عن مصالح الأجراء. فاختلاف المقاربات لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر صراع أو إقصاء، بل إلى عنصر توازن وتكامل داخل المشهد النقابي.

ومن هذا المنظور، فإن بعض السلوكات التي تتجه نحو رفض الاختلاف أو السعي إلى احتكار التمثيل النقابي لا تخدم بالضرورة تطور العمل النقابي، ولا تعكس في العمق روح الممارسة الديمقراطية التي تقوم على التنافس المشروع والاحتكام إلى قواعد الحوار والاحترام المتبادل.

وفي نهاية المطاف، فإن التجربة النقابية السليمة تُبنى على القدرة على تدبير الاختلاف داخل إطار من المسؤولية، وعلى تحويل التعدد إلى قوة اقتراح وترافع، بدل أن يتحول إلى عامل تعطيل أو توتر. فالديمقراطية الحقيقية داخل الفضاء المهني لا تقاس فقط بوجود شعارات، بل بمدى القدرة على قبول الآخر والعمل معه ضمن قواعد مشتركة تخدم مصلحة الأجراء أولاً وأخيراً، في إطار من الاحترام المتبادل والتنافس الشريف.

هل تعتقدون أن الملف كان يمكن أن يجد حلاً أسرع لو توفرت إرادة سياسية أقوى؟

من الصعب الجزم بشكل قاطع، بما كان يمكن أن تؤول إليه الأمور لو توفرت إرادة سياسية أقوى، وأكثر حسماً في مراحل سابقة من هذا الملف، غير أن المؤكد، من منظور التجربة العملية ومسار الملفات ذات الطابع الاستراتيجي، أن القضايا التي تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسيادية الكبرى، لا يمكن أن تجد حلولاً مستدامة ونهائية إلا في إطار مقاربة سياسية واضحة، مسؤولة، وشجاعة، قادرة على اتخاذ القرار في اللحظات الحاسمة، وتجاوز منطق التدبير الجزئي أو الانتظاري.

فملف المصفاة، في جوهره، لا يمكن اختزاله في مجرد وضعية مقاولة متعثرة أو نزاع تقني بين أطراف اقتصادية، بل هو ملف مركب تتداخل فيه عدة مستويات من المسؤولية والاهتمام. فهو من جهة يرتبط مباشرة بحقوق الأجراء، وما يترتب عنها من ضمانات تتعلق بالاستقرار المهني والاجتماعي، ومن جهة ثانية يرتبط بحقوق الدائنين ومختلف المتعاملين الاقتصاديين في استرجاع مستحقاتهم في إطار من العدالة والإنصاف. وإلى جانب ذلك، فإن لهذا الملف بعداً وطنياً واضحاً يتصل بقضية الأمن الطاقي للمملكة، باعتباره أحد المكونات الأساسية للاستقرار الاقتصادي والسيادي للدولة.

ومن هذا المنظور، فإن معالجة هذا النوع من الملفات، لا يمكن أن تتم فقط عبر مقاربات تقنية أو قانونية معزولة، بل تحتاج بالضرورة إلى تدخل سياسي، يملك القدرة على تجميع مختلف الأطراف حول تصور موحد، وبناء توافقات دقيقة توازن بين المصالح المتعددة والمتشابكة. فالدور السياسي، في بعده النبيل، يتمثل أساساً في القدرة على تحويل التعقيد إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ، دون الإخلال بحقوق أي طرف من الأطراف المعنية.

أما على المستوى المؤسساتي والقضائي، فقد قامت المحكمة التجارية بدورها في حدود ما يخوله لها القانون والمساطر الجاري بها العمل، حيث أصدرت قراراتها وفق الإطار القانوني المنظم لاختصاصها، دون أن يتجاوز ذلك إلى إيجاد حلول ذات طبيعة سياسية أو اقتصادية شاملة، وهو ما ينسجم مع مبدأ فصل الاختصاصات بين السلط والمؤسسات.

وانطلاقاً من ذلك، فإن استكمال مسار هذا الملف يظل رهيناً بتوفر إرادة حقيقية، سواء على المستوى السياسي أو المؤسساتي، قادرة على الدفع نحو بلورة حل شامل يراعي مختلف الأبعاد المتداخلة، ويضمن في الوقت نفسه صون الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ويخدم المصلحة العامة للبلاد. فكلما كانت الإرادة أقوى وأكثر وضوحاً، كلما تسارعت إمكانية الوصول إلى تسوية متوازنة، تُنهي حالة الانتظار وتفتح أفقاً جديداً لهذا الملف المعقد.

وفي الأخير، لا يسعني إلا أن أتوجه بجزيل الشكر إلى منصة “ضربة قلم” على فتح هذه القناة للتواصل وإتاحة هذا الفضاء للحوار وتبادل وجهات النظر، مع خالص التقدير لاهتمامها بالقضايا الاجتماعية والنقابية، وحرصها على تسليط الضوء على مختلف الانشغالات التي تهم الشغيلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.