تأشيرة إلى الجحيم: شبكة تُتاجر في أحلام المغاربة وتُسلمهم للنصب بالدين والعمل

ضربة قلم
في زاوية من زوايا المغرب العميق، حيث الأمل يرتدي ثوب الحلم المسروق، وحيث الكرامة تُباع على دفعات، أسدل الستار أخيرًا عن فصل من فصول الاحتيال الممنهج، عنوانه “الخلاص عبر التأشيرة” ومضمونه: خداع المواطنين الطيبين باسم الهجرة أو الحج. نعم، ها نحن نعود للحديث عن تلك القضية التي كنا قد أشرنا إليها سابقًا، حين بدأت أولى خيوطها تتكشف من تنغير، المدينة التي لا يزور المحاكم فيها إلا من ضاق صدره من الانتظار الطويل في صفوف العدالة أو في طابور الوظيفة.
المحكمة الابتدائية في تنغير وضعت النقطة الأخيرة مؤقتًا في سطر هذه المهزلة، بعدما كشفت خيوط شبكة محكمة التنظيم، مكونة من خمسة أفراد، كلٌّ منهم يلعب دوره كأننا في مسرحية رديئة الإخراج لكنها باهظة الثمن بالنسبة للضحايا. البطل الرئيسي؟ صاحب وكالة سياحية من مدينة سلا، استحق عن جدارة لقب “المايسترو”، بعد أن حصد حكمًا بالسجن النافذ لسنتين، فيما تناثرت الأحكام الأخرى كفتات العدالة على باقي الممثلين الثانويين: أستاذ من تنغير حُكم عليه بثمانية أشهر، إمام مسجد من طنجة بسنة، ووسيط من مراكش بستة أشهر. أما العضو الخامس، فهو يتقن دور “الشبح”، ما زال في حالة فرار وكأن المغرب صار بلا خرائط.
هؤلاء لا يبيعون الخبز ولا الزيت، بل يبيعون الأحلام: عقد عمل في كندا، تأشيرة مجاملة لأداء العمرة، وظيفة في الفلاحة بأوروبا، أو حتى تأشيرة بـ”بارك الله فيك”. وكل ذلك مقابل حفنة محترمة من الدراهم: 100 ألف، 120 ألف، 160 ألف، حسب درجة السذاجة، أو لنقل، حسب مستوى الإحباط عند الضحية. المواطن المغربي الذي يكدّ ويعرق ويقتطع من قوته اليومي ليجرب حظه في قوارب الأمل الإداري، يجد نفسه فريسة لشبكة تعرف جيدًا كيف تصيغ الوعود، وتنسج الأوهام، ثم تختفي كالدخان.
التحقيقات الأمنية، التي أشرفت عليها فرقة الشرطة القضائية بورزازات، كشفت كيف أن هذه الشبكة لم تكن تكتفي بالخداع، بل كانت تنسق، وتوزع الأدوار، وتحتفظ بسجلات الضحايا كأنها شركة رسمية. المواطنون، المساكين، كانوا يوقعون ضحية بعد أخرى، إيمانًا بأن “الوسيط فلان” يعرف القنصل، وأن “الأستاذ علان” له علاقة بملحق ثقافي، وأن “الإمام الفاضل” يدعو لهم بالتوفيق ويستلم منهم المبالغ بوجه بشوش… يا لحلاوة الدين حين يختلط بالنصب!
بعض الضحايا دفعوا مبالغ قاربت أو تجاوزت 32 مليون سنتيم، مبلغ يمكن أن يؤسس به مشروع صغير، أو يشترى به سقف يؤوي الأسرة، لكنه ذهب هباءً منثورًا في سوق النصب الرفيع. ولعل المثير في القضية ليس فقط المتهمون، بل ذلك الكم الهائل من الثقة الذي يمنحه المواطن للغرباء، ما إن يُذكر له “عقد عمل” أو “حج ميسر” حتى يتنازل عن كل حذر، ويضع أحلامه في مغلف أصفر، ويبدأ العد التنازلي للخديعة.
وها هي المحكمة تقول كلمتها، لكن هل انتهت القصة؟ لا، لأن المتهم الخامس لا يزال هاربًا، ولأن هناك مدنًا أخرى يُحتمل أن هذه العصابة مدّت فيها أذرعها، ووراء كل ملف مفتوح، هناك ملفات مغلقة تنتظر من يطرق بابها.
وسط هذا كله، تستمر الجهات الأمنية، ومعها النيابة العامة، في مواجهة لا تنتهي مع هذا النوع من النصب المقنّع بالعباءة الدينية والبدلة الرسمية. المعركة لا تدور فقط في أروقة المحاكم، بل أيضًا في ذهن المواطن الذي عليه أن يتعلم، مرة واحدة على الأقل، أن الأحلام التي تُشترى بمبالغ مشبوهة غالبًا ما تنقلب إلى كوابيس موثقة بمحاضر الشرطة.
ويبقى السؤال معلقًا فوق رؤوسنا جميعًا: متى نحصّن وعينا ضد سماسرة الوهم؟ ومتى نتوقف عن تصديق من يبيع لنا الجنة عبر تأشيرة؟ لأن الخلاص، يا سادة، لا يأتي من وسطاء، بل من الدولة، أو من أنفسنا إذا قررنا أن نحلم بطريقة أقل تكلفة… وأقل مرارة.





https://shorturl.fm/68Y8V