تأهل بطعم الصبر والتكتيك: الأسود يتجاوزون نيجيريا ويضربون موعدًا مع السنغال في النهائي

ضربة قلم
في مباراة نصف النهائي، التي جمعت المنتخب الوطني المغربي، بنظيره النيجيري، لم يكن الصراع مجرد 120 دقيقة من كرة القدم، بل كان مواجهة تكتيكية، عالية المستوى، واختبارًا ذهنيًا وبدنيًا، وحكاية جمهور مغربي، كتب فصلًا استثنائيًا، في تاريخ الدعم الجماهيري، بحضورٍ غير مسبوق، قُدِّر بأكثر من 65 ألف متفرج، عبر المدرجات والشاشات.
منذ الدقائق الأولى، بدا واضحًا أن الناخب الوطني وليد الركراكي، دخل اللقاء بخطة مدروسة، تقوم على التوازن بين السيطرة، وعدم التهور، مع وعيٍ تامٍّ بقوة المنتخب النيجيري، الذي يُعد من أكثر المنتخبات الإفريقية، تنظيمًا وانضباطًا، خاصة في المباريات الإقصائية.
بداية نارية وضغط مغربي مبكر
مع الدقيقة الثامنة، كاد إبراهيم دياز أن يفتتح التسجيل، في رسالة مبكرة، تؤكد نوايا “أسود الأطلس”. دياز، الذي كان دون منازع أخطر عناصر اللقاء، تحرك بذكاء بين الخطوط، ونجح في خلق التفوق العددي، في الثلث الأخير، مستفيدًا من مهاراته الفردية وسرعة اتخاذ القرار.
بين الدقيقة العاشرة والعشرين، شن المنتخب المغربي، هجمات متتالية، أجبرت نيجيريا على التراجع، إلى نصف ملعبها، في مشهد يعكس الهيمنة المغربية، على مستوى الاستحواذ والبناء الهجومي. غير أن هذه السيطرة، اصطدمت بصلابة دفاع “النسور”، الذي تميز بالتقارب بين الخطوط، والانضباط في التمركز، مع اعتماد واضح على التحولات السريعة عند افتكاك الكرة.
معركة وسط الميدان والصراع البدني
مرور 25 دقيقة، كشف طبيعة المباراة: صراع بدني قوي، وضغط متبادل في وسط الميدان. نيجيريا حاولت كسر نسق المغرب، عبر الضغط العالي، وهو ما نجحت فيه نسبيًا، حيث حرمت المنتخب المغربي، من البناء السلس من الخلف، ودفعته في بعض الفترات، إلى التشتيت العشوائي، ما أفقد الهجمات دقتها وفعاليتها.
رغم ذلك، ظل المغرب الطرف الأكثر سيطرة، بنسبة استحواذ بلغت 56٪ بعد أكثر من 25 دقيقة، وهو مؤشر على التفوق النسبي في إدارة الكرة، وإن لم يُترجم إلى أهداف.
فرص ضائعة وتفوق دون حصاد
الدقيقة 28 شكّلت إحدى أبرز لحظات الشوط الأول، حين أهدر أيوب الكعبي فرصة ذهبية أمام مرمى نيجيريا، كانت كفيلة بتغيير مجريات اللقاء. بعدها، استمرت المحاولات المغربية، أبرزها الركلة الحرة لأشرف حكيمي، في الدقيقة 33، والتي مرت بمحاذاة القائم، ثم تسديدة إسماعيل صيباري القوية في الدقيقة 38، التي تصدى لها الحارس النيجيري ببراعة.
ورغم التعادل السلبي حتى الدقيقة الأربعين، فإن الكفة الهجومية، كانت تميل بوضوح لصالح المغرب، سواء من حيث عدد الفرص، أو التواجد في مناطق الخصم.
شوط الثاني: امتياز بلا أهداف
في الشوط الثاني، واصل المنتخب المغربي ضغطه وسيطرته على الكرة، مع اعتماد الركراكي على دفاع الكتلة المتوسطة، تمامًا كما فعل في مونديال قطر، منتظرًا أخطاء الخصم، واستنزافه بدنيًا. نيجيريا، من جهتها، حافظت على نفس النهج: دفاع منظم، انتقالات سريعة، ومحاولات خجولة لاختبار يقظة ياسين بونو، الذي كاد في إحدى اللقطات أن يورط نفسه بخطأ في التمرير، قبل أن يتدارك الموقف.
ومع مرور الدقائق، وخلال الأشواط الإضافية، بدا الإرهاق واضحًا على الطرفين، لكن دون أن ينجح أي منهما في فك شفرة الآخر، ليبقى التعادل السلبي سيد الموقف حتى صافرة النهاية.
ضربات الترجيح… الحسم الذهني
عندما وصلت المباراة إلى ضربات الترجيح، دخل المنتخب المغربي بثقة أكبر، وهدوء ذهني لافت، ترجمته دقة التنفيذ وتألق الحارس، لينتهي الحسم بفوز المغرب 4 أهداف مقابل هدفين. فوز لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة إعداد نفسي، وتجربة تراكمت في المباريات الكبرى، وتأكيدًا لما توقعه العديد من المتابعين، بل وحتى بعض المختصين، الذين رجحوا سيناريو الترجيح.
دور الجمهور: اللاعب رقم واحد
لا يمكن الحديث عن هذه المباراة، دون التوقف مطولًا عند الدور الاستثنائي للجمهور المغربي، الذي حج بكثافة، حضوريًا وعن بُعد، بأرقام فلكية تجاوزت 65 ألف متفرج. هذا الدعم الهائل، خلق ضغطًا نفسيًا على الخصم، ومنح اللاعبين طاقة إضافية، خاصة في اللحظات الصعبة، ليؤكد مرة أخرى أن الجمهور المغربي، ليس مجرد مشاهد، بل عنصر فاعل في صناعة الانتصارات.
خلاصة ومعنويات مرتفعة قبل النهائي
تأهل مستحق للمنتخب الوطني المغربي، جمع بين الانضباط التكتيكي، الصلابة الذهنية، والدعم الجماهيري الجارف.
وقد صدق توقّع كل من أدلوا لنا بدلوهم في قراءة سيناريو مباراتي نصف النهائي، بمن فيهم الطبيب الذي تنبأ، بثقة لافتة، بأن الحسم سيكون عبر ضربات الترجيح. سيناريو، تأكد على أرض الواقع، ليبرهن مرة أخرى أن كرة القدم، لا تكافئ فقط من يهاجم، بل أيضًا من يصبر ويُحسن التدبير الذهني في اللحظات الحاسمة.
هنيئًا للمنتخب المغربي بهذا التأهل المستحق، وهنيئًا للشعب المغربي، الذي كان حاضرًا بقلبه وصوته ودعائه، مؤمنًا حتى آخر ركلة. أملنا صادق أن تبقى الكأس في المغرب، وأن يُتوَّج هذا المشوار المميز باللقب.
موعدنا يوم الأحد القادم، في نهائي واعد أمام المنتخب السنغالي، حيث لا مكان إلا للإصرار، ولا عنوان سوى المجد.




