الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

تاونات بين “الوعد الأخضر” و”الواقع الأسود”: مزارعو الكيف بين مطرقة الشركات وسندان القانون

ضربة قلم

قبل سنوات قليلة، حين تم الإعلان عن تقنين زراعة القنب الهندي، استبشر فلاحو تاونات والريف خيرًا. قيل لهم إن زمن الخوف والتهريب و”الوساطة المظلمة” قد انتهى، وإن المستقبل سيحمل لهم دخلاً قارًا وحياة أكثر استقرارًا، وإن الدولة فتحت الباب ليصبح “الكيف” مصدر رزق شريف، محكوم بالقانون، ومرتبط بالتنمية. غير أن الواقع سرعان ما أثبت عكس ذلك، فالأحلام الكبيرة ذابت في طوابير الانتظار الطويل، والوعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
اليوم، وبعد موسم كامل من العمل الشاق، يجد مئات الفلاحين أنفسهم محاصرين بالفقر والديون، لأن الشركات المتعاقدة امتنعت عن أداء مستحقاتهم المالية. مصادر من التعاونيات كشفت أن بعض هذه الشركات جمعت محاصيل القنب منذ أكتوبر 2024، لكنها لم تؤدِّ درهماً واحداً مقابلها حتى اليوم. النتيجة: أكثر من 24 تعاونية تضم مئات الفلاحين متضررة، فيما عائلات بأكملها صارت تعيش على الكفاف، تنتظر ما يشبه “الصدقة” من مؤسسات يفترض أن تحترم القانون.
المفارقة المؤلمة أن القانون نفسه، الذي أُلزم الفلاحون باحترامه والدخول في منظومة التعاونيات، يفرض عليهم تسليم محصول الموسم الجديد للشركات نفسها، حتى وإن لم تسدد لهم مستحقات الموسم الماضي! وإلا فالعقوبة جاهزة: إتلاف المحاصيل بحكم القانون. هكذا يجد الفلاحون أنفسهم بين فكين: شركات تماطل وتبرر عجزها بـ”التعقيدات المسطرية والمعايير الدولية”، ووكالة وطنية تلوّح بسحب التراخيص أو إتلاف المحصول إذا لم يلتزموا بالعقود.
في غشت الماضي، لم يجد العشرات من المزارعين ورؤساء التعاونيات بُداً من النزول إلى الشارع، فساروا على الأقدام من غفساي إلى عمالة تاونات، يهتفون بما يشبه صرخة جماعية: “أعطونا مستحقاتنا، لا أكثر ولا أقل”. أصواتهم كانت تحمل وجع عائلات غارقة في الديون، وأطفال حرموا من المدرسة، ودكاكين بقالة أغلقت أبوابها لأن الفلاح لم يعد قادراً على الدفع.
“لقد وعدونا أن الكيف المقنن سيغير حياتنا”، يقول أحد المزارعين، “لكن ما حدث هو الاستيلاء على أرزاقنا باسم القانون”. آخر يضيف بحرقة: “كيف يطلبون منا الصبر وهم يتركون أبناءنا بلا خبز ولا دفء؟”.
المشهد بلغ حافة الانفجار. بعض التعاونيات هدّدت بالتصعيد والنزوح الجماعي إلى الرباط للاعتصام أمام وزارة الداخلية. بينما رفض الفلاحون مقترحات غريبة من الوكالة، تدعوهم للتعاقد مع مستثمرين جدد مقابل الحصول على نصف قيمة محاصيلهم فقط. “أي منطق هذا؟” يتساءل مزارع من غفساي، “ألسنا نحن أصحاب الأرض والعرق؟ كيف نصبح الحلقة الأضعف في سلسلة كان يفترض أن تكرمنا لا أن تسحقنا؟”.
الأرقام الرسمية تؤكد أن سنة 2024 كانت قياسية: أكثر من 4 آلاف طن من القنب الهندي المقنن، وقرابة 2200 هكتار مزروعة، وآلاف التراخيص الموزعة على الفلاحين والشركات. على الورق يبدو المشهد جميلاً، لكن خلف الأرقام تختبئ حقيقة مرة: مزارع ينتظر أجره منذ عام، وأطفال ينامون بلا عشاء، وأرض خصبة تُحاصرها البيروقراطية.
إن تاونات اليوم تقف أمام مفترق طرق. إما أن يتحول التقنين إلى مشروع تنموي حقيقي يعيد للفلاح كرامته، أو أن يبقى مجرد عنوان فارغ يزين التقارير الرسمية بينما يزداد الفلاحون فقراً وتهميشاً.
فهل تُعالج الأزمة بتصريحات ومكاتب مكيفة، أم أن ساعة الإنصاف ستدق قريباً، ليعود الحق إلى أصحابه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.