تجربة الماضي وقانون الحاضر في التعليم العمومي: نحو إطار قانوني يُكرّم مديرينا القدامى

ضربة قلم
منذ فجر الاستقلال، والمشهد التربوي بالمغرب يعرف ألوانًا من التحول والتجريب، ليس فقط على مستوى البرامج والمناهج، ولكن أيضًا فيما يخص الأدوار الوظيفية والإدارية داخل المؤسسات التعليمية. وبينما احتل الأستاذ مكانته الرمزية كفاعل تربوي مباشر، ظلّ الإطار الإداري – الذي عُرف لسنوات طويلة بعبارة «الإسنادي” – يعيش في ظل التهميش المؤسساتي، وكأن دوره تكميلي لا جوهري في تسيير دواليب المدرسة العمومية.
هذا “الإسنادي” لم يكن يحظى، لا باعتراف قانوني محصّن، ولا بضمانات مهنية تُؤمن استمراريته أو ترقيته. كان أشبه بجندي احتياطي يُستدعى وقت الأزمات، ويمكن الاستغناء عن خدماته في أي لحظة، وفي جميع الأسلاك التعليمية. لم يكن منصبه محميًا ولا مهامه واضحة بشكل قانوني، رغم ما كان يُناط به من أعباء تنظيمية، مالية، تربوية، وحتى علاقاتية داخل الفضاء المدرسي، ناهيك عن تلك المهام التي لا تندرج تحت أي تصنيف رسمي، والتي يمكن أن نطلق عليها شعبياً “فكّاك الوحايل“.
ومع توالي العقود، تطورت التسمية، وأصبح يشار إليه لاحقًا بـ”المتصرف التربوي”، لكن هذا التغيير اللفظي لم يكن كافيًا لتغيير واقع التهميش. فقد ظلت المهام تُرمى على كاهله دون أن توازيها أدوات عمل حقيقية، أو تحفيزات معنوية أو مادية، أو حتى اعتراف رسمي يعيد لهذا الإطار اعتباره.
ثم جاءت سنة 2009/2008 لتضيف عبئًا جديدًا على هذه الفئة من خلال تأسيس جمعيات “الدعم مدرسة النجاح”، والتي فرضتها الوزارة بشكل مباشر على المؤسسات التعليمية. وعلى الرغم من أن هذه الجمعيات كان يُفترض أن تساهم في تحسين الأداء التربوي وتوفير موارد داعمة للمؤسسة، إلا أن واقع الحال جعل منها أداة إضافية لتكبيل الإدارة المدرسية بمسؤوليات محاسباتية ومهام لا عدّ لها ولا حصر، في غياب تكوين متخصص أو دعم تقني مناسب.
التحول الكبير حصل مع بداية الموسم الدراسي 2016/2015، حينما تم إحداث “مسلك الإدارة التربوية”، وهو المسلك الذي اشترط اجتياز مباراة ولوج ثم تكوينًا معمقًا لمدة سنة داخل المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، قبل التخرج بصفة “متصرف تربوي”. وقد كان هذا الإصلاح في ظاهره استجابة لمطلب هيكلة هذا المجال وتكوين أطر متخصصة، لكنه في عمقه كشف عن واحدة من أغرب المفارقات الإدارية في النسق المغربي.
إذ نجد أن خريجي هذا المسلك – الجدد على الميدان – يُمنح لهم سلم الترقي الإداري بشكل سريع، ويتاح لهم التدرج في مناصب المسؤولية، بينما المديرون القدامى الذين تدرجوا في مناصبهم عبر سنوات من العمل الميداني، متسلحين بالخبرة والتجربة، لم يُنصفوا لا في الترقية ولا في التقدير المهني. والمفارقة الصارخة أن هؤلاء المتصرفين التربويين الجدد أنفسهم قد تتلمذوا ميدانيًا على يد هؤلاء المديرين القدامى، وتلقوا منهم أولى دروس التدبير الإداري العملي، قبل أن يتجاوزوهم في السلم والامتيازات، في مشهد إداري أقرب إلى النكتة السوداء منه إلى منطق الإنصاف.لقد أصبح من المعتاد أن ترى مديرًا خبر الميدان، وواجه تحديات التسيير في ظروف قاسية، يتقاسم المهام – وربما يتلقى التوجيه – من إطار إداري التحق للتو بالمؤسسة بعد تكوين نظري لم يختبره بعد واقع المدرسة العمومية.
إن المفارقة الكبرى هنا ليست فقط في التباين المهني، ولكن في هذا الإحساس العارم بالغبن، الذي يتقاسمه المديرون “الميدانيون” في صمت مؤلم. وزارة التربية الوطنية، التي ما فتئت تتحدث عن الحكامة والإنصاف وربط المسؤولية بالمحاسبة، مطالَبة اليوم بوقفة تأمل حقيقية أمام هذا الخلل الهيكلي الصارخ. فالمسلك الإداري لا يجب أن يكون بابًا لإحداث طبقية داخل الجهاز التربوي، بل وسيلة لتنظيم العمل الإداري وتأطيره على أسس من العدالة والكفاءة والاعتراف بالتراكم.
إن إنصاف الأطر الإدارية التي راكمت التجربة، وساهمت في استقرار المؤسسات التعليمية، ليس مطلبًا نقابيًا فحسب، بل هو ركيزة لأي إصلاح تربوي جاد. أما إذا استمر الأمر على ما هو عليه، فسيظل الإحساس بالمرارة يحكم علاقة المدير “القديم” بزميله “المتخرج”، وسيكون لذلك أثر مباشر على المناخ المهني داخل المؤسسات، وعلى جودة التسيير الإداري الذي لا غنى عنه في أي مشروع إصلاحي.
فهل تستجيب الوزارة، أخيرًا، لنداء الإنصاف؟ أم أن الإدارة المدرسية ستبقى حلبة جديدة تُمارس فيها التفاوتات باسم “الإصلاح”؟
الزمن كفيل بالإجابة… لكن المدرسة العمومية لا تملك ترف الانتظار طويلًا.




